/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / كل تعليم يخص وصف طبيعة الله هو شِبه الذهب وليس الذهب ذاته سفر نشيد الأنشاد

كل تعليم يخص وصف طبيعة الله هو شِبه الذهب وليس الذهب ذاته سفر نشيد الأنشاد

 

كل تعليم يخص وصف طبيعة الله هو شِبه الذهب وليس الذهب ذاته  سفر نشيد الأنشاد

 

قلائد الفضائل الروحية

إذا ما أعدَّ أحد نفسه حتى تبقى في سكون بغير اضطراب، في هدوء بلا أمواج مضطربة بريح الرذيلة، ولا انتفاخ خلال الكبرياء أو الحنق بأمواج الغضب، أو الاضطراب بأمواج الشهوة، أو تحمله كل ريح تثير أمواج الشهوة الكثيرة إذا ما أُعدَّ النفس هكذا، وإذا ما سكَّن الاضطراب العاصف في بحر هذه الحياة بكل أمواجه الهائلة الشريرة، وصمدت أمامهما حياة الفضيلة السلسة الهادئة حتى يدخلون فيها ويفرون من مخاطر انكسار السفينة، حينئذ يكون جديرًا بأن يقارن على فم الكلمة “بالقلائد” حيث أن استخدام الجمع هنا يشير إلى كمال الفضائل في كل أشكالها.

إذا ما قورنت العروس بقلادة واحدة فقط لما كمل مديحها إذ لا تتضمن الفضائل الأخرى. مقارنتها لعدد من القلائد يحمل شهادة لحقيقة أنها تُمتدَح من أجل تجمُّلها بجميع الفضائل. وهذا عزاء مقدم في النص للكنيسة بأجمعها.

فعلينا ألا نقْصر اهتمامًا لاقتناء فضيلة واحدة وإهمال أعمال صالحة أخرى.

إذا ما تحليت بقلادة ضبط النفس على عنقك بحياة طاهرة كما باللآلئ إذن فعليك أن يكون لك قلادة أخرى: الغيرة لاقتناء الفضيلة يتضمن حجارة كريمة من التعاليم المقدسة لتضاعف من جمال عنقك.

عليك أن تقتني قلادة أخرى أيضًا تزين بها عنقك: الصلاح والإيمان السليم.

هذه هي القلادة الذهبية المسبوكة من الذهب الخالص لمعرفة الله الذي يبُرق حول عنقك.

يقول سفر الأمثال: “لأنها إكليل نعمة لرأسك وقلائد لعنقك” (أم 1: 9).

وهكذا فإن قلائد العروس تهبنا ثمرًا وفيرًا لأفكارنا.

الآن حان الوقت لنتأمل كلمات أصدقاء العريس الموجهة للعروس: “نصنع لك سلاسل (أشكال) من ذهب مع جُماٍن من فضة (1: 11-12). “ما دام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته”.

إذا ما تطلع أحد إلى هذه الكلمات في سياق التفسير المقدم عالية، يجد أن الغرض يبدو متآلفًا معه. ولكن المعنى الحرفي مختفي بعمق وراء الرمز ويصعب تفسيره.

بما أن جمال الروح قد قورن بسلاح الفرسان (أي الجيش الملائكي) الذي حطم مركبات المصريين، وحيث أن ممتطي الفرس يسمى من يملك على فرسه “الطهارة” بالمقارنة بخدَّي اليمامة، وأيضًا عنق العروس مزيَّن بقلائد لامعة بالفضائل، نجد أن أصدقاء العريس يودون أن يُضفوا الجمال على الفرس. يفعلون ذلك بتزيينها بأزرار ذهبية مطعمة بفضة نقية. بذلك تزداد جمالاً وتلمع بالأكثر إذ أن لمعان الفضة يمتزج ببريق الذهب.

علينا أن نترك وراءنا هذه المعاني الرمزية ولكن دون أن نحذف أي معنى ربما قد يساعدنا. إن النفس وقد تطهرت خلال الفضائل قد قورنت بسلاح الفرسان.

الملك العريس ممتطي الفرس

لكنها لم تُعبِّر بعد عن أنها تابعة للكلمة؛ ولا أنها تحمل فوقها ذاك الذي يمتطي الفرس حتى يأتي بالخلاص (حب 3: 8؛ زك 9:9).

يليق بالفرس أولاً أن يكون في كامل زينته وبعد ذلك يستقبل الملك (الذي يمتطيه).

سواء أخضع الملك الفرس له – ذاك الذي بحسب الأنبياء يمتطينا كفرس من أجل تحقيق خلاصنا (حب 3: 8)، أو كان هو الذي يسكن في داخلنا أو يتمشى معنا مخترقًا أعماق نفوسنا، فلا فرق في المعنى، لأن الوحدة تتحقق خلال الأمرين، وأي قصور يتحول إلى الكمال.

فمن يكون فرسًا يمتطيه الله هو حقًا يتمتع بالله ساكنًا بداخله، ومن يستقبل الله بداخله فقد تجاوز ما كان قد أدركه قبلاً.

لذلك فإن الملك على وشك أن يمتطي الفرس. كما قيل بالنسبة للقدرة الإلهية فإن الاتكاء على مقعد أو مضجع سيان.

إن رجال الملك يجهزون الفرس ليمتطيه بتزينه أولاً، حيث أنه في عينيّ الله لا فرق بين أن يكون بداخل إنسان أو فوقه.

إذا ما تركنا جانبًا المفهوم الرمزي، نجد أن الذين يجهزون الفرس يتعهدون أن يجعلوا منه الآن مُتكئًا، وكما يقول النص يلزمنا أن نصنع سلاسل (أشكالاً) من ذهب مع جمان من فضة لتجميل الفرس، حتى يستريح الملك لا على مقعد بل كما على سرير.

طبيعة الله التي لا توصف!

كما يوضح لنا الكتاب، إن النص يصف لنا هذا المعنى. علينا أَلاَّ نسترسل دون الأخذ في الاعتبار سبب عدم استخدام الملك للذهب للزينة بل “شبه الذهب“، وليس الفضة بل “شبه الفضة“. ذلك يعني الآتي:

كل تعليم يخص وصف طبيعة الله التي لا توصف، حتى وإن كان يكشف عن أفضل وأسمى مفهومٍ ممكن إنما هو شِبه الذهب وليس الذهب ذاته، لأن الصلاح الذي يتجاوز العقل البشري لا يمكن تقديمه بدقة.

حتى ولو أن أحدًا مثل القديس بولس قد اِطلع على أسرار الفردوس غير المدركة وسمع كلمات لا ينطق بها (2 كو 12: 4) فإن أي معرفة لله تظل لا ينطق بها.

وبولس الرسول ذاته يقول إن مثل هذه المفاهيم غير مدركة.

أعلن أولئك الذين يقدمون لنا أي أفكار صالحة عن مثل هذه الأسرار، أنهم أيضًا غير قادرين حقًا على التعبير عن الطبيعة الإلهية.

إنهم يتكلمون بالأحرى عن بهاء مجد الله ورسم جوهره (عب 1: 3)، صورة الله، والكلمة الذي في البدء وكان الكلمة الله (يو 1:1). كل هذه التعبيرات تبدو لنا نحن الذين لم نرَ الطبيعة الإلهية مثل الذهب من هذا الكنز.

ولكن بالنسبة لهؤلاء القادرين على رؤية الحقيقة، يرون أنها شبه الذهب وليس ذهبًا لامعًا، إنه ذهب مع جُمان من فضة. إن الفضة كما يقول الكتاب: “لسان الصدِّيق فضة مختارة” (أم 10: 20).

هنا يتكشف لنا أن الطبيعة الإلهية تتجاوز كل مفهوم نحاول أن ندركه.

إن فهمنا للطبيعة الإلهية يشبه ما نهدف إليه. إن أحدًا لم يَرَها ولا يستطيع أن يراها، إلا كما في مرآة ولغز (1 كو 13: 12).

إنها تعطينا انعكاسًا لما نفكر فيه، أي تقدم انعكاسًا موجودًا في النفس بصورة معينة.

كل كلمة تمثل هذه المفاهيم تشبه نقطة تحتاج أن تتسع حيث أنها قاصرة عن التعبير عما في العقل.

إذن فكل فكر لنا يعجز عن إدراك الله.

وكل كلمة تقال كمحاولة للتعبير عن الله تبدو مثل نقطة صغيرة غير قادرة على الاتساع لتتناسب مع المفهوم. هكذا إذ تقُاد النفس بمثل هذه المفاهيم لإدراك ما لا يمكن إدراكه إلا عن طريق الإيمان عَلَّها أن تفسر ذاتيًا طبيعة تفوق كل ذكاء.

هذا ما يقوله أصدقاء العريس: “دعينا أيتها النفس التي تشبه الفرس نصنع لك صورًا تشبه الحق (لأنه لذلك يذكرون الفضة: إذ أن كلماتهم تشبه شرارة تتلألأ، ولكنها قاصرة عن تقديم المعنى العميق بدقة).

وعندما تصلك هذه الكلمات تكون قد صرت خاضعًا لها وهكذا تصير مكانًا لسكنى ذاك الذي يوشك أن يتكئ ويسكن في داخلك خلال إيمانك.

سوف تكون عرشه وأيضًا موضعًا لسكناه

 ربما يستحق القديس بولس أو من يشبهه مثل هذه الكلمات.

لأن بولس الرسول قد صار يومًا ما “إناءًا مختارًا” (أع 9: 15)، فلم يَعَشْ حياته بعد لكنه أظهر المسيح حيًا في حياته، وقدم برهان المسيح المتكلم فيه (2 كو 13: 3). لذلك صار مسكنًا يحوي الطبيعة التي لا تُحوىَ.

أفاح نارديني رائحته

[نتعرف على العريس خلال رائحته فينا، وندرك صلاحه غير المدرك خلال عمله فينا. هكذا تصير النفس مرآة له!]

مثل هذه النعم يمنحها أصدقاء العريس للنفوس العذارى الطاهرة (مثل هؤلاء الأصدقاء هم أرواح خادمة لخدمة العتيدين أن يرثوا الخلاص).

تزداد العروس كمالاً عندما تُمنح هذه النعم؛ كلما اقتربت من شهوة قلبها، وقبل أن يتجلى جمال عريسها نجدها خلال حاسة الشم تتلامس مع من تشتهيه وتهدف إليه.

إنها تميز لونه خلال قوة رائحته وتقول أنها تشتم رائحته خلال رائحة عطرها الذي تسميه “ناردين”. تستخدم هذا التعبير حينما تخاطب أصدقاءها: “أفاح نارديني رائحته” [ع12].

 تقول العروس أنك لا تمنحنا الذهب الخالص بل شبه الذهب خلال المفاهيم المناسبة لإدراكنا، ولا تكشف عن شيء عنه سوى رموز وعلامات.

لكنك تلقي بعض الضوء على ذاك الذي أفتش عنه خلال تلميحك بالـ “جُمان من فضة” لذلك فأنا أيضًا قد تلقيت رائحتك الذكية خلال رائحة نارديني، وذلك عن طريق الحواس.

هذه الكلمات في نظري تعني الآتي: هناك كثير من العطور المتنوعة وكلٌ له رائحته التي تختلف عن الآخر، لكننا إذا صنعنا مزيجًا من العطور باهتمام سوف نحصل على عطر خاص.

إن عطرًا واحدَّ يسمى ناردين يطلق اسمه على خليط من كل العطور. كثير من خواص العطور تنسب إلى واحد، أَلاَ وهو رائحة العريس الزكية الذي تستنشقه الحواس النقية.

نظن أن الكلمة يعلمنا هنا عن جوهره المفهوم ضمنًا خلال ترتيب الخلقة والهيكل العام لها:

إنه لا يُدنَى منه وغير ملموس وغير مدرك. بدلاً من الكلام لدينا الرائحة المركبة الناتجة عن كمال الفضائل بداخلنا.

إنها تشبه بطهارتها من هو بالطبيعة عديم الفساد، وبصلاحها تشبه صلاحه، بعدم فسادها عدم فساده، بعدم تغييرها عدم تغيره؛ وبكل ما فينا الذي يتأثر بالفضيلة، فضيلته الحقة التي غطت كل السموات كقول حبقوق النبي (حب 3:3).

 حين تقول العروس لأصدقاء عريسها أفاح نارديني رائحته” تأخذ (النفس) من كل زهرة من مختلف مروج الفضيلة وتصير حياة الإنسان عطرة خلال رائحة سلوكه الذكية وهكذا يصير كاملاً إلى حدٍ ما، مثل هذا الشخص لن يكون من طبيعته أن ينظر بثبات على كلمة الله كما على الشمس ولكنه بالأحرى يراها بداخله كما في مرآة. لأن شعاع هذه الفضيلة الحقة المقدسة يشع في الحياة الطاهرة بإفراز، ويجعل الغير منظور منظورًا لنا، والغير مدرك مدركًا، بتصوير الشمس في مرآة نفوسنا.

عندما نتفهم النص نجد أنه لا فرق بين أن نتحدث عن أشعة الشمس، وتدفق الفضيلة أو رائحة العطور الذكية. أيًا كان التعبير الذي نختاره، فهناك فكرة عامة واحدة للكل، أَلا وهي أننا نكتسب معرفة الصلاح من الفضيلة، ذلك الصلاح الذي يتجاوز كل فهم، تمامًا مثلما نستدل على جمال أي نموذج من صورته.

هكذا تشبَّه بولس العروس بالعريس في فضائله، وصور بعطره الجمال الذي لا يدنى منه. من ثمار الروح الحب، الفرح، السلام وما شابه ذلك. صنع عطره واستحق أن يصير “رائحة المسيح الذكية” (2 كو 2: 15)، لقد استنشق القديس بولس هذه النعمة الغير مدركة التي تجاوزت كل نعمة، وأعطى نفسه لآخرين كرائحة ذكية ليأخذوا منها على قدر طاقتهم، حسب تدبير كل إنسان. صار بولس الرسول عطرًا إما لحياة أو لموت، فإنه إذا ما وضعنا العطر ذاته أمام خنفس وأمام حمامة، فلن يكون له تأثير مماثل على الاثنين: فبينما تصير الحمامة أكثر قوة حين تستنشقه فإن الخنفس يموت حينذاك. هكذا كان الحال مع الرائحة المقدسة، مع بولس الرسول العظيم الذي شابه الحمامة.

وبالمثل تيطسوسلوانسوتيموثاوس جميعًهم قد شاركوا في رائحة عطر بولس الرسول، ونموا في كل عمل صالح مع بولس متخذينه مثالاً لهم.

على الجانب الآخر، فإن إنسانًا ما كديماس (2 تي 4: 10)، أو الكسندر (2 تي 4: 14) أو هرموجانس (2 تي 1: 15)، لم يشتركوا في رائحة عطر بولس الرسول، إذ لم يستطيع كل منهم أن يحتمل رائحة ضبط النفس، فإنه طُرح مثل الخنفس تحت تأثير رائحة العطر الذكية.

لذلك فإن بولس الرسول الذي بمثل هذه الروائح الذكية قال: “لأننا رائحة المسيح الذكية لله في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون. لهؤلاء رائحة موت لموت، ولأولئك رائحة حياة لحياة” (2 كو 2: 15).

إذ توجد علاقة بين ناردين الإنجيل وعطر العروس، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذا الناردين الأصيل الغالي الثمن الذي سُكب على رأس السيد (يو 12: 3)، وهكذا فاحت رائحته الذكية، وملأت المنزل كله. وبالمثل فإن هذا العطر لا يختلف عن عطر العروس الذي أفاح رائحة العريس.

جاء في الإنجيل إنَّ سَكْبَ الطيب على رأس ربنا قد أفاح رائحة زكية في أرجاء المنزل حيث أقيمت المأدبة، وكأن المرأة ساكبة الطيب قد تنبأت بسرّ موت المسيح. وقد شهد الرب لعملها هذا قائلاً: “إنما فعلت ذلك لأجل تكفيني” (مت 26: 12).

 المنزل الذي امتلأ بهذه الرائحة يمثل الكون بأكمله، العالم كله: “حيثما يكرز بهذا الإنجيل في كل العالم” تنتشر رائحة عملها هذا مع الكرازة بالإنجيل، ويصير الإنجيل “تذكارًا لها”، إذ أن الناردين في نص نشيد الأناشيد يفيح رائحة العريس لعروسه، وفي الإنجيل أيضًا تصير رائحة المسيح الذكية التي ملأت كل المنزل كطيبٍ يُطيِّب كل جسد الكنيسة في كل المسكونة والعالم أجمع، فربما نجد علاقة بين الفقرتين.

نكتفي بما قلنا في هذه النقطة .

والآن يبدو أن ما يلي يناسب نغمة العرس، أي العروس التي تعد نفسها في حجرة العرس.

صُرَّة المُر

حقًا إن النص إذن “صُرَّة المُر حبيبي لي. بين ثديي يبيت” [ع13].

يقال أن النساء يهتممن أكثر مما ينبغي بحليِّهن حتى يبدون جميلات في أعين رفقائهن، ولكنهن يهتممن أيضًا بأن يعطِّرن أجسادهن حتى تكون ذات رائحة زكيه جذابة لأزواجهن. ولذلك فإنهن يضَفن العطر في ثنايا ثيابهن حتى إذا ما فاحت رائحة العطر يكون لأجسادهن نصيب أيضًا في رائحته.

إذا ما أخذنا في الاعتبار عادة النساء هذه، نقول تُرى بماذا إذا تجرأت العذراء النبيلة لتقول؟

عندما تكون “صُرَّة مُر” مدلاَّة من عنقي فوق ثدييََّّ فإنها تعطر جسدي برائحة زكية. ولكنه ليس بالعطر المألوف. إذ صار الرب ذاته المُر الساكن في “صُرَّة صغيرة” وساكنًا في قلبي.

إن مركز القلب كما يقول الخبراء يقع بين الثديين.

تقول العروس إن هناك تضع الصُرَّة التي بها كنزها. أيضًا يقال إن القلب هو منبع الدفء منه يستمد الجسد حرارته خلال الأوردة. وهكذا تتمتع أعضاء الجسد بالحرارة والنشاط والغذاء خلال حرارة القلب الملتهبة. ولذلك فإن العروس قد استقبلت رائحة المسيح الذكية في مركز النفس وقد جعلت من قلبها نوعًا من الصرة لتحتوي هذا العطر. وتجعل العروس كل أعمالها وأيضًا أجزاء جسدها ملتهبة بنسمة من قلبها حتى لا يفتر حبها لله في أي عضو من أعضاء جسدها بسبب أي خطية تحاربها.

كروم عين جدي

دعنا نفحص الآن الآية التالية.

دعنا نستمع ما تقوله الكرمة المزدهرة عن ثمارها، الكرمة الموضوعة في جوانب بيت الله، التي يقول النبي إنها مثمرة (مز 127: 3).

إن الحياة الطاهرة الإلهية تمتزج بالحب. “طاقة فاغية حبيبي في كروم عين جدي“. من هو هذا المبارك هكذا؟ بل بالحري من ذا الذي يسمو فوق كل بركة حتى أنه إذا ما نظر إلى ثمرته يرى في كرمه أي في نفسه الداخلية رب الكرمة؟ لاحظ كيف نمت العروس حتى إن ناردينها قد أفاح رائحة العريس الذكية. لقد جعلت منه مرًا نقيًا، ووضعت هذا العطر في صُرَّة، وخبَّأته في قلبها حتى لا تفارقها عذوبته ولا تفقدها أبدًا، وهكذا قد صارت العروس أُمًا لعنقود العنب المقدس الذي أزهر أي الذي أزدهر، وقت آلام الرب وأثناء هذه الآلام سكب عصيره. الخمر الذي يفرح القلب (مز 103: 15) يسمى دم العنب بعد الآلام.

نستطيع أن نستمتع بعناقيد العنب بطريقتين: بأزهارها التي تنعش الحواس برائحتها الذكية، وبنضوج ثمارها إذ نستمتع بأكله أو حين نقيم مأدبة نقدم فيها الخمر.

في نفس السفر نجد العروس قد جمعت العناقيد المزدهرة وتسمى البراعم سروًا.

ينمو الطفل يسوع المولود بداخلنا بمختلف الطرق في الحكمة والقامة والنعمة في قلب من يستقبله ليسكن فيه (لو 2: 52).

يسكن المسيح في كل قلب نقي ولكن بصورة مختلفة حسب قامة الإنسان الذي يسكن بداخله. يُظهر ذاته حسب طاقة كل إنسان. فإنه يأتي كطفل أو كصبي أو كإنسان ناضج على مثال العناقيد.

لا يظهر المسيح بنفس الصورة على الكرمة، لكنه يغير هيئته مع مرور الوقت، الآن تبرعم، لقد نبت، ثم نضج وصار يانعًا وأخيرًا صار خمرًا.

 إذ يحمل الكرم ثمرته يحمل معها وعدًا، حقًا إنه لم ينضج بعد ليعطي خمرًا ولكنه ينتظر مرحلة النضوج. وفي الوقت ذاته إنه لا يحرمنا من السرور، لأنه يفرح حاسة الشم بدلاً من التذوق باعتبار ما سيكون؛ خلال عطر الرجاء يعطي عذوبة لحواس النفس.

إن الإيمان الثابت بالرجاء في النعمة يصير بهجة لنا، نحن الذين ننتظر في صبر. وهكذا فإن الطاقة الفاغية” تحمل وعدًا بالخمر. إنها ليست بعد خمرًا، لكنها تنبت نبته الرجاء. إنها تنتظر نعمة لم تأتِ بعد.

إنَّ ذكر عين جدي أيضًا تشير إلى بقعة خضراء فيها يرمي الكرم جذورًا وينتج ثمارًا شهية صحية.

الذين لهم خبرة جغرافية يقولون إن أرض جدي مناسبة جدًا لتعهد العنب. إن الإنسان الذي تتفق إرادته مع ناموس الله يلهج فيه نهارًا وليلاً (مز 1: 2) يصير كالشجرة المغروسة على مجاري المياه (مز 1: 3) وتعطي أثمارها في أوقاتها (مت 21: 41).

هكذا أيضًا فإن كرم العريس مغروس في جدي، مكان خصب، بمعنى أنه في أعماق عقل مُروى بالتعاليم المقدسة، ويحمل هذه العناقيد المثمرة النابتة، حيث نستطيع أن نرى الكرام والمزارع. طوبى لهذا البستان الذي تُشبه أثماره العريس في جمالها! إذ أنه النور الحقيقي، الحياة الحقيقية، الاستقامة الحقيقية وكل ما تبقى كما يقول الحكيم (أم 1: 3).

حينما يكتسب الإنسان مثل هذه الصفات خلال أعماله الصالحة، يتطلع إلى الكرمة بداخل ضميره، ويرى العريس هناك ويعكس نور الحق خلال حياته النقية.

لذلك نقول الكرمة المزهرة، إن عناقيدي تنبت أزهارًا.

إنه العنقود الحقيقي الذي أعلن ذاته معلقًا على خشبة الصليب، ذاك الذي يعطينا دمه لنشربه، ويقدم خلاصه للمخلصين الذين يبتهجون فيه. له المجد والقوة إلى أبد الأبد . آمين.

 

يتبع…..

القديس غريغوريوسالنيصي
www.orthodoxonline.org

 

 

 

 

 

 

كل تعليم يخص وصف طبيعة الله هو شِبه الذهب وليس الذهب ذاته

سفر نشيد الأنشاد