/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / “ركبت خيلك ومركباتك مركبات الخلاص” سفر نشيد الأنشاد

“ركبت خيلك ومركباتك مركبات الخلاص” سفر نشيد الأنشاد

 

    "ركبت خيلك ومركباتك مركبات الخلاص"   سفر نشيد الأنشاد

 

  1. لقد شبهتكٍ يا حبيبتي بفرسٍ في مواجهة مركبات فرعون.
  2. ما أجمل خدَّيكِ كخدي يمامة، وعنقكِ بقلائد؟
  3. نصنع لكِ سلاسل (أشكالاً) من ذهب مع جمان من فضة.
  4. ما دام الملك في مجلسه أفاح نارديني رائحته.
  5. صُرَّة المُر حبيبي لي، بين ثدييّ يبيت.
  6. طاقة فاغية حبيبي لي، في كروم عين جدي.

العريس يتكلم كما بنور

[على غير عادة البشر بدأت العروس بالحديث تعلن عن شوقها نحو عريسها السماوي. وإذ يناجيها عريسها، إنما يشرق بكلماته كأشعة الشمس التي تضيء أعماقها… كلمات مسيحنا هي النور تبدد ظلمة الخطية الخفية في الداخل، وتحول ظلمة قبرنا إلى مقدس منير.

حديثه هو إعلان ذاته كما على جبل سيناء… لكنه إعلان مفرح، لأنه إعلان عن عرس سماوي أبدي.]

سبق الإشارة إلى أنَّ الآيات الأولى في نشيد الأناشيد يمكن مقارنتها بأشعة الشمس عند الفجر بعد أن يسحب الليل آخر ظلاله. إنها لا تحمل ضوءًا صافيًا بل هي مقدمة رقيقة له، لأنها ليست بالأشعة التي تُضيء الإضاءة الكاملة.

 تتكلم العروس في افتتاحية النشيد ثم يُشرِق صوت العريس مثل الشمس التي يطغي نور أشعتها على ضوء النجوم والقمر، ويرمز ذلك إلى تطهير وتنظيف الروح استعدادًا لاستقبال الله.

يشترك النص الحالي للنشيد في اللاهوت نفسه، لأن كلمة الله وقوته العظيمة تُمِكّنان القارئ من مشاركته الكلمة. ويشبه ذلك إسرائيل في جبل سيناء الذي كان مستعدًا خلال يومين من التطهير (خر 19: 10) أن يستحق الاستماع إلى الله عند فجر اليوم الثالث. لقد استقبل إسرائيل الله نفسه بعد ما غسل الشعب خطاياه وأقذاره . لذلك يمكن اعتبار تفسير مقدمة النشيد كأن لها نفس فائدة يومىْ التطهير من وحل الجسد لكي نفهم كلمات النشيد.

سوف يُظهر الله الكلمة (للنفس) المتطهرة في اليوم الثالث الذي يتبع اليومين الأول والثاني. وسيجعل ظهوره معروفًا، ليس في الظلام، بل في رعود وبروق وصوت بوق شديد جدًا وأتون نار أحرقت كل ما حول سفح الجبل إلى قمته، ولكنه سوف يتحول ظهوره المخيف هذا إلى فرح جميل ومقبول، لأنه يقوم بين العريس والعروس.

طلبت العروس أن تعرف المكان الذي يقضي فيه الراعي الصالح وقته، حتى لا تعاني من مصاعب قد تحدث لها في غيابه بسبب جهلها، فشرح لها أصدقاء العريس الموقف الحقيقي والمؤكد هكذا:

يجب أن تراقب النفس وتعرف نفسها. إنه يُقال أن جهل الإنسان بنفسه هو بداءة جهل الشخص بكل شيء يجب أن يعرفه، وما يترتب عن ذلك من نتائج. كيف يحصل الشخص على معلومات بينما هو يجهل نفسه؟

عندما يتنقى ويتطهر الجزء المُتحكَّم (القيادي) في النفس يشرق الله الكلمة على النفس التي ترغب فيه كالشمس، يشجعها إلى كمال أعظم من خلال ما تم عمله، ثم يمدح ما يُعمل في اتجاه معرفة أعمق للخير (لله).

سلاح فرسان روحي

وماذا يقول إذن الكلمة الحقيقي للعروس البكر؟

يقول لها لقد شبهتك يا حبيبتي بفرس في مواجهة مركبات فرعون” [ع9]. ولما كان من المستحيل أن نفسر هذه الكلمات بمعناها الحرفي، لذلك يلزم أن نختبر النص الذي أمامنا بعمق.

 كما نعرف من سفر خروج (14: 16-29). إنه قد نشأت قوة مضادة لفرسان فرعون: السحاب، والأسلحة، والرياح الشديدة، وانغلاق البحر الأحمر وتحوُّل قاع البحر إلى أرض جافة، والأمواج العاتية التي تحولت إلى جدران على الجانبين، ومن خلال هذا الخلاص العظيم عبر الإسرائيليون البحر بينما غرق المصريون بفرسانهم ومركباتهم في القاع.

إذ لم يظهر أي فرسان ليحارب بهم إسرائيل جيش المصريين، لذلك ليس من السهل تَصوُّر مقارنة العروس بالفرسان ضد مركبات المصريين.

لأن فرساني” يقول العريس “انتصرت على مركبات الفرعون، إني شبهتك بهم يا حبيبتي“.

واضح أن العدو لا يمكن هزيمته في معركة بحرية دون أن تغرقه قوة أخرى. وأيضًا لا يمكن هزيمة فرسان المصريين دون أن تقوم قوة معادلة لهم من الفرسان بذلك. وقد كانت قوة فرسان الجيش المصري معروفة بقوتها.

 ويُسمِىّ النص القوة الخفية التي هزمت جيش المصريين بالفرسان. لأنهم علموا أيضًا أن الله كان يحارب معهم لقد صرخوا قائلين: “الله يحارب ضد المصريين” وقال المصريون “دعونا نهرب من وجه الله” ويتضح من ذلك أن القائد الحقيقي جَنَّد قواته الخاصة ضد قوات العدو (سفر الخروج 14).

أي أن قوة غير مرئية دمرت قوات المصريين خلال معجزة البحر الأحمر، وهذه القوة يسميها النص “الفرسان” ويمكن أن نفترض أن الفرسان كانوا جيشًا من الملائكة التي يذكرها حبقوق النبي: “ركبت خيلك ومركباتك مركبات الخلاص (حب 3: 8). وذكر داود أيضًا مركبات الله قائلا: “مركبات الله ربوات” (مز 67: 17).

وكذلك فإن القوة التي رفعت إيليا من الأرض إلى المنطقة العليا يُسميها الكتاب بالخيل (2 مل 2: 11). ويُسمي زكريا النبي الذين ذهبوا حول كل الارض – ورأوا أنها في سلام، وتكلموا مع الرجل الذي كان يقف بين الجبلين – فرسانًا (زك 1: 10-11).

ذاك الذي يملك الكون عنده فرسان وهي التي رفعت النبي إيليا وتنظم السلام في الأرض المسكونة.

وفي حالات أخرى يُجنَّد فرسانُ الله في مركبات ويأتي الله على رأسها لخلاص البشر، أو تأتى لهزيمة جيش المصريين. لذلك توجد طرق عديدة تعمل بها فرسان الله.

ويمكن مقارنة الفرسان التي تقود النفس إلى الفضيلة بالفرسان التي هزمت جيش المصريين. لذلك فكلمة الله تقول للعروس: “إني أقارنك يا حبيبتي بالفرسان التي تواجه مركبات فرعون“.

إن سفر النشيد به أمجاد كثيرة. وبمقارنة سلاح الفرسان هذا، نجد أنه قائمة من التماجيد. نتذكر الأمور التالية عن إسرائيل أثناء إقامته وسط المصريين: العبودية، العصافة، الطين، التبن، كل عمل يتصل بالتراب، أولئك الذين طلبوا حصة يومية من التبن، تحويل الماء إلى دم، والنهار صار ليلاً، الضفادع دخلت وملأت المنازل، التراب المُحرَق الذي سبب القروح والأورام، كل نوع من أنواع البلية مثل الجراد، الذباب، المطر، البرَدْ، وموت الأبكار. كل هذه الأمثال وغيرها ما هي إلا طرق الخلاص للإسرائيليين، وهي تُعدُّ أساسًا لتمجيد النفس المتحدة بالله.

تقارن النفس بتلك القوة التي حطمت المصريين الأشرار، وأطلقت إسرائيل حرًا من طغيان الشر، لأن كل هذه الأحداث قد آلت إلى النجاح، تلك التي حطمت مصر وأيضًا أعدَّت الرحلة إلى الله للشعب الذي اُقتِيد إلى أرض الموعد بعيدًا عن وحل أرض مصر.

وحيث أن القديس بولس الرسول يقول: (1 كو 10: 11) أن هذه الأمور جميعها كُتِبت لإنذارنا، فإن الكلمة يعزينا خلال كلماته التي وجهها إلى العروس وهي أنه علينا أيضًا أن نستقبل الكلمة وقد امتطانا كما على فرس ليهزم سلاح الفرسان المصري بمركباته وفرسانه، ليغرق كل قواته الشريرة في المياه ويصير مثل تلك القوة التي تترك الجيش المعادي وراءها في المياه في وصمة عار.

وحتى نستطيع أن نفهم كلمات النشيد بالأكثر علينا أن نأخذ في الاعتبار الآتي:

إن شخصًا ما لا يمكن مقارنته بسلاح الفرسان الذي غرقت بواسطته مركبات المصريين إلى العمق إلا إذا كان قد تحرر من العبودية للعدو خلال المياه السرائرية. وعليه أن يترك وراءه كل تفكير في مصر وكل شر وخطية في المياه.

عليه أن يطفو على سطح المياه طاهرًا، ولا تشوب حياته الجديدة أي أثر من آثار الضمير المصري (الفرعوني).

لأن الإنسان الذي تطهر من كل عذابات المصريين: الدم، الضفادع، البثور، الظلام، الجراد، الذباب، البرد، النار من السماء والتجارب الأخرى التي بتلك القوة التي يمتطيها الكلمة. نحن لا نجهل تمامًا ما ترمز إليه العذابات مثل الدم، رائحة الضفادع (النتنة)، تحوّل النور إلى ظلمة، وهكذا…الخ

 مَنْ يخُفي عليه مثل هذه الحياة التي تتحول إلى دم؟ قد كانت قبلاً ماءً صالحًا للشرب والآن قد صار ملوثًا. أيضًا من لا يعلم كيف تتحول الحياة المضيئة إلى حياة مظلمة؟ وإلى مثل هذه الحياة الشريرة؟ فإن أتون جهنم يأتي ببثور مُهيِّجة للجلد ولعينة. ونستطيع أن نقول أن كلا من الضربات التي وقعت على المصريين يمكن أن تتحول بسهولة إلى شيء تعليمي ووسيلة لكبح جماح السامعين؛ حقًا ليس من الضروري أن نعيش في حالٍ كهذه، أظن أننا جميعًا متفقون على ذلك.

حينما نتغلب على مثل هذه الأمور ونقترب من الله، سوف نسمع حتمًا نحن أيضًا هذه الكلمات “قد شبهتك يا حبيبتي بفرس في مركبات مواجهة فرعون“.

فرس مقدسة وفرس شريرة

ربما لا يروق للبعض هذه المقارنة بالفرس في مواجهة مركبات فرعون خاصة الذين سلكوا حياة معتدلة ومنضبطة.

كثير من الأنبياء يمنعوننا من تشبيه أنفسنا بالخيل، إذ نجد أن إرميا يستخدم الخيل كرمز للشهوة الجسدية المسعورة: “صاروا حصنًا معلوفة سائبة. صهلوا كل واحد على امرأة صاحبه” (إر 5: 8). بالمثل قال داود العظيم في الأنبياء أنه قد كان شيئًا فظيعًا أن يكون المرء كفرس أو بغل (مز 31: 9)، ويحثنا أن نلجم فمنا مثل هذه الحيوانات بلجام وشكيمة.

خدَّا يمامة

[لا نخف من تشبيهنا بالفرس، فإننا نحمل بالله قوة الفرس وحياء اليمامة وطهارتها، إذ لنا خدَّا يمامة طاهرة.]

لذلك يسترسل كاتب النشيد بنغمة لتخفيف الألم في الآيات التالية، قائلاً أنه حتى ولو كنت فرسًا فإنه لا داعي لوضع لجام أو شكيمة على فمك لكبح جماحك. بل أن خدَّيك قد صارا جميلين من خلال نقاوة اليمامة. لأنه يقول: “ما أجمل خدَّيك كخدَّي يمامة“. الذين يتمتعون بقوة ملاحظة يزعمون أن هذا الطائر يبقى وحده بعد أن ينفصل عن أليفه ولا يتخذ لنفسه آخر، كما ولو كانت الطهارة شيئًا طبيعيًا في حياته. لذلك فقد تضمَّن شيئًا طبيعيًا تمجيد الكلمة لهذا الطائر أيضًا. بدلاً من لجام لفم هذا الفرس المقدس لدينا خدَّان يُقارنان بخدَّي اليمامة. وذلك يشير إلى أن حياة الطهارة تلائم مثل هذا الفرس. إن الكلمة يقول لعروسه بإعجاب: “ما أجمل خدَّيك كخدَّي يمامة“.

ويضيف مديحًا آخر بعقد مقارنة: “وعنقك بقلائد“.

يستخدم لغة الكلمات لمدح العروس. إنه يمدح عنقها إذ بها انحناءة دائرية مثلما نرى الخيول الجميلة الصغيرة السن.  

عنق العروس انحناءة مهر جميلة وميناء آمن

إن ذكر القلائد يشير لهذه الانحناءة الدائرية على عنق الفرس التي تُظهر جمالاً خاصًا للمهرة.

من الجانب الآخر فإن كلمة “قلائد” تشير إلى أماكن من شاطئ البحر منحنية للداخل على شكل هلال. بذلك يستقبل البحر في حضنها ويمثل مكان راحة للذين يبحرون آتين من عرض البحر.

وبسبب شكلها تسمى زينة العنق مجازيًا HORMOS. عندما يستخدم تصغير HORMOS لكلمة HORMISKOS، نرى الشكل المماثل مصغرًا. لذلك فإن مقارنة عنق العروس بالقلائد يمثل مديحًا فائقًا عظيمًا للعروس.

أولاً. فإن المهر حين يُحنى رقبته على شكل دائرى يحترس في خطواته فيجري في أمان، لكيلا ترتطم حوافره بصخرة أو يقع في حفرة. هذا ليس بالمديح البسيط للروح اليقظة المتقدمة بسرعة في الطريق المقدس دون أن تسقط أن تعتبر فوق كل تجربة تعوقها في الطريق وتتجاوزها.

إن المفهوم الأصلي لكلمة “hormos” حيث أنه يشير بالمثل إلى زينة العنق يسمى “hormiskos” ويتضمن حقًا مديحًا عظيمًا عندما يقارن العنق بالقلائد.

ما هي المدائح التي يكشفها الإنجيل خلال هذا التعبير؟

ثانيًا. إن الميناء هو ملاذ أمين يرحب بالبحارة، وملجأ هادئ بعد عنائهم في البحر. هنا ينسون أتعابهم بينما يستردون عافيتهم ويستريحون من أتعابهم الطويلة. فلا خوف من انكسار السفينة، ولا قلق من جهة عمق المحيط، ولا مخاطر من قراصنة ولا اضطرابات الرياح ولا هياج البحر بسبب النوء.

الذين كانوا عرضة لتقاذف سفينتهم بسبب العاصفة قد صاروا الآن بمنأى عن كل مثل هذه المخاطر في ملاذ المياه الساكنة.

 

يتبع…..

القديس غريغوريوسالنيصي
www.orthodoxonline.org

 

 

 

 

 

 

 

“ركبت خيلك ومركباتك مركبات الخلاص 

سفر نشيد الأنشاد