/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / القداسة: هل هي ممكنة في عصرنا؟

القداسة: هل هي ممكنة في عصرنا؟

القداسة: هل هي ممكنة في عصرنا؟

لقاء مع الشَّباب في أبرشيّة طرابلس، كفرحزير، 27أيّار 2012

مقدّمة: باريس، في سنّ العشرين
إنّ الإحساس بالزمن لدى الراهب الذي انكفأ عن العالم ليعيش في الموانئ السّلاميّة، أعني الأديار، يختلف عن إحساس أهل العالم المُنغَمِسين حُكْمًا في دوّامة الأحداث. في الدّير، يبدو الزّمن واقفًا، والسُّنون تَكُرُّ على وَقْعٍ وَحيدٍ هو تَتالي الأعياد والأصوام. فالحياة الرُّهبانيّة في جَوْهَرِها خارجةٌ عن نطاق الحوادث، ولا ينبغي أن يلفُت الراهبُ الأنظار.
ففيما أنا بينَكم شيخٌ أشْيَبُ، يُساوِرُني الشعور بأنّي واحدٌ منكم، ما زلتُ في السابعة والعشرين، كما حين دخولي الجبل المقدّس، منذ حوالي ثلاثٍ وثلاثين سنة. وأنتهز هذه الفرصة لأحدّثَكم عن نظرتي للحياة لمّا كنتُ في العشرينات من عمري، وكيف صِرْتُ إلى جبل آثوس.

عندما دخلتُ الجامعة، بُعَيْدَ أحداث أيّار 1968 ، لم أُشارِكْ في الحياة السِّياسيَّة الجائشة المُضطَربة في تلك الفترة، ولكنّني، ضِمنيًّا، شاطَرْتُ أبناءَ جيلي مَطاليبَهم. تلك الفترة عَرفَتْ تيّاراتٍ فلسفيّةً سياسيّةً تستلهمُ المذهب الإشتراكيّ، وتناهِضُ مجتمعَ الإستهلاك، ولكن بنسبة عالية من الرومنطيقيّة. آنذاك أُعميَت عيونُنا، ولم يُرِد أحدٌ من “اليَساريّين” أن يرى حقيقةَ البلاد التي حَسِبْناها “أرض النعيم”، كالصّين أيّام ماو Mao وكوبا.
في الاجتماعات التي سادَتْها الشِّعارات الحماسيّة الثوريّة، لَفتَني أنّ كلّ ما اقترحَهُ هؤلاء من أجل التَّحَرُّر ليس سوى استعبادٍ أكبر للأُدْلوجة idéologie التي أطلقوا عليها إسم “مصلحة الشعب والعمّال”.
مع مُرور الزَّمن، تأكّد لي صوابُ إحساسي. فقد انهارَت الشّيوعيّة انهيارًا مُفاجئًا، كاشفةً أنّها لم تتمكّن من الانتشار إلاّ لقاءَ القَمع والاضطهادات المتحيِّزة، الممارَسة باسم الشَّعب (كما حدَثَ في أيّام الثّورة الفرنسيّة). وفي غضون سنوات قليلة، اضمحلّت الفلسفات الماركسيّة كالغبار، ولم يبقَ في طبقة مثقَّفي باريس مَن يَجرؤ ويَنسِبُ نفسَه إليها. أمّا قبل عشر سنوات، فلم يَكُنْ لائقًا ألاّ ينتمي المَرء على الأقلّ إلى الحزب الشيوعيّ. ونذكر مثلاً أنّ جان بول سارتر، الذي خلَبَ أَلبابَ جيل ما بعد الحرب، أخذَ يُوَزِّعُ مَناشير مُوالِيَة “لماو تسي تونغ” عند مَداخل المعامِل، لكي يُطابق بينَ أفكاره “والتزام الثورة”! كم بدَتْ تلك الأنشطة الحِزبيّة سخيفة واهية!
إذًا، زالت الماركسيّة في سَنوات قليلة، ولكنّها خلّفت عشرات ملايين الضّحايا، وهو رقم قياسيّ في التاريخ، يَحدونا، مع اعتبار النّازيّة، على وصف القرن العشرين بأنّه قَرن المذاهب السّياسيّة (الأُدلوجات idéologies) الفاتِكة. وَلَئِنْ زالَتْ هذه بشكلها السّياسيّ، فإنّ بعض أفكار “أيّار 68‘” أحدثَتْ فِعلاً ثورة خُلُقيّة في العالم الغربيّ بأسره.
تلك الأيّام التي أكملتُ خلالَها دراستي الجامعيّة هي حقبة من التاريخ زَعزعَتْ أُسُسَ السّلوك برمّتها، وقَلَبَتْ المَفاهيم في مَيْدانَي الجنس والأخلاق، فأحدثَتْ ثَورة خُلُقيّة امتدَّت عَواقبُها على المدى الطّويل امتدادًا أفعل من التغيّرات السياسيّة، مهما تكن هذه جذريّة، وقد أمست العَودة عنها غير معقولة. أدّت هذه الثورة الخُلُقيّة إلى تفكُّك الأُسرة، وانهزام كلِّ سلطة، وانهيار مفاهيم الدّين والمُثُل العُليا التي ربطت أواصر شعبٍ كاملٍ، كحُبّ الوطَن، أو بذل الذات، وسواها.
يا للمفارقة، لقد انتَصر الفَوضويّون، لا سياسيًّا، بل خُلُقيًّا، حيث يسود اليوم مُعظمَ المجتمعاتِ الغربيّة “تحرّرٌ فوضويّ”. والذين أرادوا القضاء على المجتمع الرأسماليّ أمسوا من أغنياء رجال الأعمال أو من رجالات السيّاسة، ولكنّهم لا يزالون يحاولون ضرب سائر أسس المجتمع الذي أنشأته المسيحيّة منذ ألفَي سنة، من أجل أن يفرضوا “مبدأ اللذّة”، يعني سيادة الفرد المتروك إلى أبسط ميوله الغريزيّة. فمنذ القرن التاسع عشر، وضَعَ علم التحليل النفسانيّ (psychanalyse) هذا المبدأ في أساس شخصيّة الإنسان، فيما ينظر إليه اللاهوت المسيحيّ كمصدر سقوط الإنسان الأوّل (ما يسمّيه الآباء حُبّ الذات philautia).
بالتالي، أصابَ من حَدَّدَ المجتمعَ الغربيَّ بأنّه “مجتمع الشهوة”, بالأحرى من “مجتمع الاستهلاك”. فالاقتصاد العالميّ بأسره يقوم على تغذية حاجات لا تنتهي بوساطة الدِّعاوة (او “دعاية” publicité )، من خلال المناداة بوعود لَذّاتٍ سهلة متواصلة، تنأى عن الحاجات الحقيقيّة للإنسان. والهدف الوحيد من هذا هو إشباع الرغبة، وتثبيت “الأنا”.
هذه إذًا عاقبة “الأُدْلوجات” التي حَشَدَتْ في الطُّرقات آنذاك أترابي من الشّباب. معظمهم حرّكته في البدء روح شهامة صادقة، ولكنّهم انخدعوا بمنطق عنيد لا بدّ أنّ شخصًا خفيًّا أثاره فيهم، ما هو إلاّ الشيطان.

عواقب الثورة الخلُقيّة: مجتمع الشهوة والعزلة
وتَبِعَتْ هذه الأحداث ثورةٌ أُخرى، هي ثورةُ المَعلوماتيّة ووسائل التواصل المباشَر، حتّى أمكَنَنا اليوم أن نطّلع اطّلاعًا مباشَرًا على كلّ شيء تقريبًا. كلٌّ منّا له أن يصل إلى كمّيّة معلومات لا يمكن لأحد التّحكّم بها، ولا حتّى ترتيب محتوياتها كما يجب. فبهذه الطّريقة، انتصر وَهْمٌ آخر، وَهْمٌ قائمٌ على المعرفة المباشَرة السّهلة، وعلى شبكات الترابُط interconnexion، وعلى عالم ظاهريّ (virtuel)، كلّما غاصِ فيه المرء غَرَّقَه في عزلة كُبرى. ولا داعي هنا لأَسوقَ لَكُم مثَلاً واضحًا عن شُبّان يُقيمون صداقات في أربع أقطار الأرض، ولا يعرفون أن يكلّموا المقرَّبين منهم.
وحتّى لو استطعنا أن نستعلم عن كلّ ما يجري في العالم، فنادرون يعرفون أن يجدوا التفسير السّديد لهذه المعلومات، سيّما أنّ أخصّائيّي الإعلام يتلاعبون بها ليَجنوا أرباحًا طائلة. وما يزيدُ الوضعَ تناقضًا وتعقيدًا، هو أنّ هذه الوسائل الجديدة تُضاعف إمكانيّة حرّيّة التعبير لدى الأقلّيّات، ما كان مستحيلاً في العهد الإعلاميّ السالف، حيث تَحكَّمَتْ الدُّوَل والشَّركات الكبرى بالإعلام. مثالاً على ذلك، أنّ المعلومات الوحيدة الصّادقة حول ما جرى في “كوسوفو” خلال الحرب أعطاها للعالم كلّه راهب واحد من دير ديتشاني. أمّا الآن، فالنّاس كلّهم في تواصل مع الناس. والحقّ إنّ مُستخدِمي هذه الوسائل يُستعبَدون لها أكثر فأكثر، ويَبتلعون في جمود تامّ المذاهب والأفكار التي تُقدَّم لهم جاهزة بشكل صوَر يسهل هضمها.
والمصيبة أنّ عالم الإعلام لديه من قوّة الجاذبيّة ما يصعب معه السيطرة على الوقت وتقدير المنفعة الفعليّة المجتناة منه. هذا يتطلّب نضوجًا كبيرًا قد نكتسبه على مدى بضع أجيال، عندما سيشعر الناس بالتُّخمة من المعلومات والصُّوَر، ويجدون الأجسام المضادّة لها anticorps، فلا يأخذون منها إلاّ المفيد. ولكنّنا ما زلنا بعيدين عن هذا النّضوج، ما عدا استثناءات نادرة.
هذا المجتمع الإستهلاكيّ دخل منذ زمن بعيد في عمليّة تدمير ذاتيّ تجرّ خلفها الطّبيعة (الأزمة البيئيّة)، والعالم بأسره (العَوْلمة). إلاّ أنّ معظم الغربيّين ما زالوا عميانًا، يظنّون أنّهم مستمرّون في “التحرّر” من قيود المجتمع البُرجوازيّ (المحافظ). والنتيجة واضحة: أزمة إقتصاديّة وخُلُقيّة شاملة، وانعزال أشخاص لا يؤمنون بشيء، وسعي جنونيّ إلى إشباع الرغبات الأنانيّة والروح المادّيّة، فطلاقٌ، فإجهاضٌ، فانتحارٌ، وهلمّ جرًّا.
هذا الانهيار ما زال في أوّله، ولكنّه عاقبة أدلوجة هي منطق “الاستقلاليّة” الشيطانيّ، منطق عشق الأنا التي تنتصب كأنها صنمُ “بُغضِ الله”.إنّ عالَم العَولمة والتواصل أمسى عالَمَ الانعزال وانقطاع الشركة بين الناس، الذين باتوا أرقامًا أو أشياء.

• حصيلة التاريخ
أتت هذه الحالة حصيلة مسيرة تاريخيّة طويلة. فمن وجدانيّة القدّيس أغسطينوس subjectivité التي قَوْلَبَت الثّقافة الغربيّة بجملتها (أدب السِّيَر الذاتيّة، مثلاً)، انتقلنا إلى تحليل عقلانيّ للكون وللمبادئ الدّينيّة (مثل تطبيق مناهج أرسطو في اللاهوت ابتداءً من القرن الثاني عشر). من هنا، نشأت العلوم التي ادّعت كشف أسرار الطبيعة، مبعدةً الله تدريجيًّا. شيئًا فشيئًا، بدت فرضيّة “العلّة الفائقة” للوجود رأيًا زائدًا لا ضرورة له، فحاولوا التخلّص منها. ومن المذهب الإنسانيّ المعجَب بالآداب القديمة، في القرن السادس عشر، وصلنا إلى عقلانيّة القرن السابع عشر rationalisme (مع ديكارت) – وما هي في الحقيقة سوى عاقبة علمانيّة للاّهوت السخولاستيكيّ ، ومنه إلى فلسفات المذاهب الطّبيعيّة (naturalisme)، وعهد التنوير (Les Lumières)، حيث زعم العقل أنّه تحرّر من الدّين، ومن الله ذاته، باسم العِلم. ومن هذا التّنوير وُلِدَت الثورة الفرنسيّة، وأفكار التحرير الوطنيّ، وشرعة حقوق الإنسان ذات القدسيّة المطلقة، وهي حقوق الفرد، التي تسمح اليوم بالتدّخّل العشوائيّ في حياة البلدان والناس. ثمّ الاقتصاد الرّأسماليّ، وما نَعهَدُ فيه من جنوح الإنسان إلى استغلال الإنسان. أمّا القرن التاسع عشر، عصر الثورة الصّناعيّة، فأوجَدَ بدوره فلسفات تدّعي أنّ “الله مات”، حاولَ الناس بها الانعتاق من الدّين انعتاقًا أكبر، ليبرّروا سيطرة الإنسان على الطبيعة. وما إن أُعلِنَ “موت الله” نظريًّا، لم يبقَ إلاّ تلقّي التَّبعات القصوى لذلك. وهذا ما يصفه دوستويفسكي في شخصيّات شباب مُنادين بالعَدَميَّة هيّأوا للثورة الرّوسيّة.
وبعد أن تمهّد السبيل للمتطرّفين، – وما هؤلاء سوى أشخاصٍ يَحصُدون ما زَرعوه، ويعرفون أن يتلقّوا النتائج المُتوقَّعة لمبادئ تتبنّاها غالبيّة الناس-، تمّ تطبيق هذه المبادئ في السّياسة، فأدّى هذا إلى القرن العشرين، وهو القرن الذي عرفَ مَوتَ الإنسان، مع الحربَين العالميّتَن، والقنبلة الذّرّيّة، ومعتقلات الموت…
عَقِبَ هذه الكوارث، وبعد مبادرة مفعمة من روح الشهامة والمصالحة تَلَتْ الحرب العالميّة الثانية مباشرةً، استعاد الفلاسفة نظريّات القرن السّابق، واقتفى أثرَهم روّاد الفنّ، ليروّجوا لإلحاد جذريّ ونزعة إنسانيّة تدّعي إرضاء الأنا أساسًا لها، وتتخطّى كلّ حاجزٍ قد يقف في وجه هذا الإشباع لمبدأ اللذّة.
وها نحن الآن، نساءٌ ورجالٌ يدّعون أنّهم “متحرّرون”، ويزدادون شقاءً، لا على المستوى المادّيّ فحسب، بسبب انهيار النظام الاقتصاديّ، بل بسبب فقدانهم معنى الحياة، وتَعَسِهِم النّفسيّ والروحيّ.

• البحث عن معنى الحياة
أمّا أنا، فلم تَروِ غَليلي الأدلوجات idéologies الرّائجة، وبدأتُ أبحث عن معنى وجودي. وبفضل لقاءات ومطالعات حول الحضارات الشّرقيّة التّقليديّة، اكتشفتُ أنّ المجتمع الغربيّ المعاصر هو المجتمع الوحيد الذي يدّعي أنّه تأسّس على مبدأَي التقدُّم واستقلاليّة الفرد، فيما سائر الحضارات التي عرفَها التاريخ ترتكزُ على “التُّراث” tradition ، لا بمعنى مجرّد تكرار الماضي، بل كمبدأ مُحيٍ مُحَمَّل بالمعاني، تُستقى منه القِيَم وأسباب الوجود، وهو ما يربط الناس ببعضهم، وبأسلافهِم من الناس، وبالكون، وبالله تعالى.
وإنّ بعض الاطّلاع على ديانات الشرق الأقصى، سنح لي أن أدرك كذلك أنّ معنى حياة الإنسان ليس في تكديس الخيرات المادّيّة، بل في اختبار ما يتجاوز الحياة البشريّة العابرة. هذا أثار فيّ اهتمامًا بالحياة الروحيّة، شأني شأنَ كثيرين من أبناء عصري، الذين لجأوا، ولا يزالون، إلى الشرق الأقصى، في سعيهم إلى حياة التصوّف. إلاّ أنّ تلك الحياة غالبًا ما امتزجت لديهم بالأوهام، وابتعدت عن واقع الحياة في مختلَف المجتمعات. كما أنّ تلك الكتابات الصوفيّة الشرقيّة بدت لي غريبةً تمامًا عن معنى الإله الشّخصانيّ الذي عرفتُه في طفولتي، وأحسستُ به في قلبي. فلمّا تابعتُ بَحثي، وفي نفسي ظمأٌ إلى الحقّ، صِرتُ إلى اكتشاف آباءِ الكنيسة، وطقسِ القُدّاس الأرثوذكسيّ، اكتشافَ المُعجَب المُندَهِش، وبَدا لي كُلٌّ منهما نافذَةً مفتوحةً على سرِّ الله الحيّ، والحياة الأبدّية.
أثَّر فيّ هذا الاكتشاف تأثيرًا كبيرًا، لأنّه أظهرَ لي أنّه لا حاجة لتقصّي معرفة فلسفيّة (غنوصة gnose) هي حَكرٌ على العارِفين، إنّما الكنزُ في متناوَل كُلِّ إنسانٍ مُعَمَّد. وهذه “الحياة الأكثر وفرةً” (يو10، 10) التي يُظهِرُها لنا القُدّاس الإلهيّ هي حياة الله بالذات. لا بل إنّها الله نفسه الذي يسمح لنا بمشاركته، ويعطي العالم وحياتنا معنى إيجابيًّا. فبفضل القدّاس الإلهيّ في الكنيسة، يصبح وجود كُلٍّ منّا مرقاةً إلى الشركة الأبديّة مع “المطلَق”، لا “وهمًا كَونيًّا”، كما يُصَوِّرُه الشرق الأقصى. وهذا “المُطلَق” هو شخص، وليس شيء. إنّه كائنٌ فائق السموّ ولكنّه يحبّني. هذا المفهوم لا يمكن أن تقبلَه حركات التصوّف الشرقيّة التي تقول “بالذوبان”، وباضمحلال الشخص في محيط اللامتناهي. وحدَها المسيحيّة تجرؤ وتنادي الله عن حقيقة “أبانا”. في الحضارات الأخرى، هذا الإسم له معنى الاستعارة.
مُذّاكَ، بدا لي القدّاس الإلهيّ الطريق إلى حلّ المشاكل الوجوديّة التي يواجهها أبناء عصرنا، بقدر ما يُدركون بُطلان “أصنام” مجتمع “التحرّر” المزعوم، فينطلقون للبحث عن معنى للوجود.
احتفظتُ من أيّام تيّارات المعارضة في سنة 1968 برفض المساومات وبشوق إلى المطلَق، وبرفض المألوف، وبمَقتِ الشِّعارات الثوريّة المُصنَّعة والانجذاب نحو النجاح والمال. فغيَّرتُ دراستي، ووَقَفْتُ نفسي على البحث عن المعاني الرَّمزيّة في الطُّقوس المسيحيّة، سيّما معنى الزمن فيها، وعلى اكتشاف التراث الآبائيّ حول دعوة الإنسان إلى التألّه بالمسيح.
• هدف الحياة المسيحيّة
من خلال مطالعة كتب الآباء، اكتسبتُ نظرةً للمسيحيّة مختلفة تمامًا عن تلك التي تلقّيتُها في طفولتي الكاثوليكيّة. اكتشفتُ أنّ المسيح لم يأتِ ليؤسّس ديانةً أُخرى، لها أنظمتها ومحرَّماتها، تُسْهِمُ في حُسْنِ سَير المجتمع. لا، أتى أوّلاً ليُحَرِّرَنا من الموت، أي من عُزلة الفَردانيّة individualisme والخِناق الذي تُطوِّقُنا به. أتى ليفتحَ لنا طريقَ السماء، طريقَ الشركة مع الله، والاشتراك في جسده المقدّس.
إذً ليست المسيحيّة “مؤسَّسة” من مؤسَّسات هذا العالم، بل هي حدَث الخلاص الذي أتمّه شخص الإله المتأنّس. إنّها حدَثٌ وَقَعَ في مكان وزمان محدَّدَين، في فلسطين المحتلّة من الرومان، ولكنّه حدثٌ مستمِرٌ في سرّ الكنيسة.
كان الأب بورفيريوس يؤكّد أنّ المسيح لم يأتِ ليسود علينا، أو ليفرض علينا شريعةً، إنّما ليصيرَ “أخانا” و”صديقنا الحميم”. أتى لِيَؤولَ بنا إلى ذَوقِ حَضرةِ الله في صَميم جَسَدِنا. ليس المسيح حكيمًا من حُكماء هذا العالم، ولا مُتنفِّذًا جبّارًا، إنّما هو مِلْءُ العذوبة والمحبَّة الذي يُقَرِّبُ لنا ذاته لنتناولها .
لقد علّم القدّيس سيرافيم ساروف أنّ هدف الحياة المسيحيّة هو اقتناء الروح القدس. فلا مسيحيّة من دون هذه المشاركة في حياة الله، وهي الحياة بالروح القدس التي أرسلها لنا المسيح يوم العنصرة، لكي يُشرِكنا في قداسة الله.
• الكنيسة جسد المسيح وشركة القدّيسين
هذا هو السرُّ الذي نحتفل به دائمًا في القدّاس الإلهيّ، سيّما في فترة ما قبل العنصرة، بعد أن انتصر المسيح مرّةً إلى الأبد. لقد أعتقَنا ابنُ الله المتأنِّس من الموت بقيامته، وأكثر من ذلك، رَفعَ جسدَ الإنسان إلى كرامةِ الجلوس عن يمين الآب معَه، فوق الملائكة وسائرِ القوّات السماويّة. في المسيح يسوع، تتألّهُ طبيعتُنا البشريّة بأسرها. إلاّ أنّ هذه العطيّة الممنوحة للطبيعة التي اتّخذها كلمةُ الله لم يُمكِن أن تبقى عطيّة عامّة غير شخصيّة. وَجَبَ أن يتحقّق سرّ الخلاص في كلّ شخص، وأن يقبله الإنسان طوعًا في ذاته. ولكي يسنح لنا المسيح أن نشترك في إتمام هذا السّرّ، أرسل الروح القدس على رُسُلِه المجتمعين في وحدة المحبة، فحوّل الروحُ هذه الجماعة البشريّة إلى كنيسة، هي جسدُه السّرّيّ. المسيح حاضرٌ إذًا، هنا والآن، بنعمة الروح القدس، ولكن من خلال جسده “المتعدّد الأقانيم” . كُلٌّ منّا أصبح عضوًا كاملاً في هذا الجسد يومَ عمادته، وهو عضو فريد لا غنى عنه، ولكنّه لا يحيا إلاّ ضمن الجسد الكامل وبه.
“5وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ… وَلكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ… وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا” (1كور12: 5،7، 11-12).
في سرّ الكنيسة الكبير هذا، يبقى كلٌّ منّا ما هو، ولكنّه يتصوّر بصورة المسيح بنعمة المعموديّة، يُطعَّم به، إن جازَ التعبير، وبقدر ما يتعاون مع النّعمة، ينمو فيه المسيح حتّى يتجلّى فيه بملئه.
وجسد المسيح هذا الذي نؤلِّفُه ليس مجرّد واقع اجتماعيّ لمسيحيّين يجتمعون من أجل الاحتفال بالقدّاس الإلهيّ، إنّما لهذه الجماعة بُعدٌ عموديّ ، يشمُلُ العالم العلويّ. فالكنيسة جسد المسيح هي أيضًا شركة القدّيسين.
في أحد أقدم النّصوص المسيحيّة، “راعي هرماس”، وصفٌ رمزيٌّ للكنيسة كامرأة مُسنّة، وتأكيد أنّ الله “خلق العالم من أجل الكنيسة” ، ليتمّ فيها تألّه الإنسان. ويقول القدّيس غريغوريوس بالاماس إنّ الكنيسة هي “شرِكة – أو جماعة- التألُّه”.
إنّ الكنيسة هي “شركة القدّيسين”. هذا التعبير خاصّ بأحد اللاهوتيّين الغربيّين، وقد دخل في دستور الإيمان اللاتينيّ، دون الأرثوذكسيّ، غير أنّه يعبّر عن نظرة أرثوذكسيّة للكنيسة. فنحن لا نكتفي في الكنيسة بفرح التَّلاقي، ولكنّنا “مواطنو القدّيسين” (أفسس2: 19)، ونشعر أنّنا نساكنُهُم في ملكوت الله الحاضر منذ الآن في تاريخ البشريّة.
إن كُنتُ أحيا في شركةٍ والعالم العلويّ، وأُسْهِمُ فيه منذ الآن، فهذا يعني أنّ حياتي ليست لي، ولكنّها حياة جسد المسيح بكامله، وأنا مسؤول عنه. إذا عرفنا أن ننظر بعيون الإيمان المتجلّيّة، يمكننا أن نرى القدّيسين حاضرين في نشاطات الكنيسة كلّها، سواءٌ من خلال إيقوناتهم، أو باستدعاء أسمائهم، أو بتذكاراتهم السّنويّة، أو في أسمائهم التي نُطلقها على الأولاد، وعلى القُرى، وعلى الأشياء، طلبًا لشفاعتهم. يستحيل على المرء أن يكون مسيحيًّا أرثوذكسيًّا من غير أن يكون في شركة “القدّيسين جميعًا”، كما يقول القدّيس يوستينوس بوبوفيتش (†1979).
إذًا لستُ أنا لوحدي، منغلقًا على فرديّتي، مَنفيًّا في عالم سيقودني حتمًا إلى الموت والنّسيان. بل بانتمائي إلى شركة أعضاء الكنيسة الظافرة كلّهم، أكتسب كرامةً أبديّة. من خلال شركتي بالقدّيسين، أشترك في الحياة الأبديّة التي سبقوا وورثوها، أشترك في الملكوت حيث يعيشون مع المسيح. إذا فَهِمْنا هذا، تتغيّر نظرتنا كلّها إلى الحياة، ولا ننظر إلى شيئ كأنّه سخيفٌ أو عابرٌ، بل يصبح كلّ عمل وكلّ لقاء ممتلئًا من هذه الحياة الإلهيّة، هذه “الحياة الأكثر وفرةً”.
منذ أوّل عهدهم، وعى المسيحيّون شركتهم هذه مع القدّيسين، فسُمّوا “قدّيسين” لأنّهم مدعوّون إلى القداسة في جملة سلوكهم (1كور1: 2). نحن ندعو بعضنا بعضًا “إخوة”، من غير تكلّف عاطفيّ، لأنّنا أضحينا أبناء الآب السماويّ الواحد بالروح القدس مع المسيح، الذي “هُوَ بِكْرٌ بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ” (رو8: 9).
“لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي” (متى12: 50).
إنّ دم المسيح الجاري فينا يصير “الإسمنت” الذي يربط هذه الأخوّة الإلهيّة، أخوّة نختبرها في سائر نشاطاتنا المشترَكة التي يجب أن تتّصف بميزة إلهيّة إنسانيّة، ولو خارج القدّاس الإلهيّ، حتى تنقل إلينا الحياة السماويّة.
في الكنيسة، ليست علاقاتنا بشريّةً أخويّةً فحسب، تظهر من خلال التعاون والمحبّة -وقد باتا نادرَين في المجتمع العلمانيّ حيث تَحكُمُ المَصالح الشَّخصيّة-، إنّما أضحتْ هذه العلاقاتُ مَراقيَ تَصعدُ بي شخصيًّا إلى الله. إنّها مملوءةٌ من طاقات التألُّه التي تَؤولُ بي إلى “القداسة” بدَوري، من خلال اختبار الروح القدس اختبارًا حيًّا.
منذ العهد القديم والربُّ يقول “كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس” (لاوي11: 44). قد يبدو الاقتداء بقداسة الله هذا مستحيلاً، مُناقضًا، وربّما مُعثِرًا، تمامًا لأنّ كلمة “قداسة” تعني “ما هو مفروز”، ما لا يمكن مشاركتُه. رغم ذلك، فمنذ العهد القديم، جعلت هذه القداسة نفسَها قابلة للمشاركة، من خلال وصايا الناموس المُعلَنَة لموسى على جبل سيناء، ومن خلال الطقوس اليهوديّة والرّموز. تلك، ولو أتَتْ مَنقوصة، هيّأَتْ شعبَ الله المختار، صورة الكنيسة، للشَّرِكَة الكاملة بين الله والإنسان في شخص الإله الإنسان، وهذه الشَّرِكة تغدو في مُتَناوَلِنا بنعمة الروح القدس.
أن نحيا مسيحيًّا يعني بالتالي أن نستجيب لنداء المسيح ونتبعه في صعوده للسَّماء، ليصير كلٌّ منّا إلهًا بمشاركة مواهب الروح القدس. ويذهب الآباء أبعد من ذلك، فيعلّمون أنّ الإنسان مدعوٌّ ليصير كلّيًّا كما هو الله، أي أن يشاركه الأبديّة والخلود، والأزليّة، لا بالطبيعة، بل بالمشاركة. “مُّتَّحِدًا كلُّه بالله كُلِّه، في تداخل تامّ، وصائرًا كلّ ما هو لله، ما عدا المساواة بالجوهر، ومتلقِّيًا الله كلًّه بدلاً عن ذاته”.

هذا هو البُعد الهائل الذي نحن مدعوّون إليه في الأتّون المُتَّقِد، أتّون الكنيسة، الذي سيحوّل حديدَ الطبيعة الإنسانيّة إلى حديد محمّى مُتَّقِد بنار الأُلوهة، من خلال الأسرار الإلهيّة والفضائل المقدّسة، ولكن من غير أن تفقد هذه الطبيعة خصائصها.

كيف أصير قدّيسًا؟
كيف نبلغ هذه الحالة، فنصير قدّيسين؟ الأمر سهل: يكفي أن نؤمن بأنّه ممكن، وأن نتبع الطريق التي رسَمَها السالِفون، فنسيرَ في خطى تراث القداسة في الكنيسة، وهو خبرة الروح القدس تتناقلها الأجيال.
لم يكن القدّيسون كائنات غريبة من كوكب آخر، بل بشرًا مثلنا، شَغَفَهم عشقُ الله
par l’amour de Dieu touchés ، والاقتداء بالمسيح. فقرّروا أن يضحّوا بكلّ ما لديهم من أجل الانصراف إلى هذا الحبّ، من غير أن يتنازلوا لقِيَم هذا العالم الزّائلة. إنّهم أناسٌ عَزَموا على اتّباع الحَمَل حتّى موتِه على الصليب، من أجل أن يختبروا قيامته وحياته الإلهيّة.
الطريق إلى القداسة تبدأ بأن نَعي بُطلان ما يمكن أن يُوَفِّره لنا العالم، وأن نُدرك حالة انفصالنا عن الله. و”التوبة” هي الرغبة في التغيير، في أن نعطي معنىً لحياتنا.
أن نحيا كتلاميذ للمسيح في عالم بعيد عن الدّين، يعني أوّلاً ألاّ نخجل باختلافنا عن الآخرين، وأن نعترف بإيماننا من غير تَردُّد عند الحاجة، ولو تعرّضنا لهُزء الآخرين. “”طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ … وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي” (متى5: 11).
الاعتراف بالإيمان عمليًّا في حياتنا اليوميّة يتضمّن أيضًا رفضَ المساومات لروح العالم والخطيئة. من أجل ذلك علينا أوّلاً أن نعرف المبادئ الخُلُقيّة والرّوحيّة للكنيسة لكي نستطيع أن نُمَيِّز ما لا يوافق هويّتنا المسيحيّة في المجتمع المحيط بنا. فمعظم أبناء عصرنا يتجرّعون من غير تمييز كلّ ما يُعرَض عليهم في الإعلام، من غير أن يُدركوا ما فيه من المعاني المضادّة للمسيحيّة كُلَّ التضادّ، إلى حدّ التجديف أحيانًا.
من الأماكن والممارسات ما لا يتماشى مع إيماننا، ومنها “الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ” التي ” تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ” (1كور15: 33). يجب ألاّ نخجل من قطع تلك العلاقات. هذا الجهاد أيضًا إعتراف بالإيمان.
فلنتحرّر من الأصنام التي صنعها الفرعون الجديد، أي الإعلام. فالمسيح يدعونا إلى الحرّيّة الحقيقيّة. ومهما يتحتّم علينا تعاطي التِّكنولوجيا، فعلاقتنا بوسائل الإعلام والتواصل ينبغي أن تنتظم وفق مبدأ الحاجة، لا المُتعة، ولا الكسل. فالصوم عن المعلومات أهمّ من الصوم عن الطعام.

الرّوحانيّة والأخلاق
ينطوي العيش في الكنيسة إذًا على مشاركة سرّ التألّه هذا، سرّ التقديس. فكلُّ تحجيم لأَبعاد المسيحيّة إلى مستوى الخُلُقيّات البَحْتَة هو انحراف. المسيحيّة ليست ديانةً، بل هي الذَّهاب إلى أقصى الحدود، هي ثورة جذريّة، هي النار التي جاء الربّ ليلقيها على الأرض (لو12: 49). ومَن شَعَرَ بهذه النار في قلبه يصير مجنونًا من أجل الله، لا ليهدم نواميس المجتمع، بل ليكمّلها ويسمو عليها.
أن يكون المرء مسيحيًّا، يعني أن يقتني رُقيًّا خُلُقيًّا لا يسمح له بإبرام الصَّفقات مع سفاهة الحياة الدّنيويّة وما فيها من ابتذال، ولكن من غير أن يعادي المجتمع.
إنّ مَناقبيّة الكنيسة في موضوع الجنس بشكل خاصّ ليست من باب العَقليّة الضيّقة البالية، بل هي شرط الحياة التي يتحكّم بها فعلاً العشق الإلهيّ. وهي تساعد على الخروج من الذات لنحبّ الآخر ونحترمه على أساس أنّه شخصٌ على صورة الله، وترفض النَّرجسيّة التي يدعو إليها مجتمعٌ غارقٌ في الجنس حتى الإفراط، لأنّ هذه لا تؤدّي إلاّ إلى السّأم والعزلة.
التحرُّر الجنسيّ المزعوم لا يَنتُجُ عنه إلاّ وقوع الإنسان في حلقة مُفرَغَة لتعاقُب اللّذّة فالشَّهوة. كلُّ تلذّذ جَسديّ يولِّدُ فيه شهوة جديدة ويُغلِق عليه في الموت.
من صفات الشباب المسيحيّ الشَّجاعةُ ورفضُ المساومة إزاء روح العالم. لا ينبغي الجزع والخوف، بل التصدّي بثبات لإغراءات الدُّنيا. فهروب الشابّ من أمام التجربة ليس علامة جُبن بل عنوان مَجده. وعلينا اتّخاذ بأس الشّباب من الشّهداء مثالاً.
-القدّيسة بلاندين Blandine من ليون Lyon (25 تمّوز)
خادمة صبيّة، أظهرَت من الثبات إزاء التّعذيبات ما أفقد المُعَذِّبين صبرَهم. كفاها أن تقول “أنا مسيحيّة، ونحن لا نأتي أيّ عمل قبيح”، حتّى لا تعود تشعر بالعذابات.
…علّقوها على عمود، وعرضوها على الوحوش، فلم تتوقّف عن الصلاة عاليًا لتشدّد عزم إخوتها في الجهاد. رأوا فيها الربَّ نفسه، الذي صلِبَ لخلاصنا، فازدادوا يقينًا بأنّ كلّ مَن يتعذَّبُ من أجل مجد المسيح، يعيش أبدًّا في شركة الله الحيّ. في ذلك اليوم، لم يجرؤ أيٌّ من الوحوش ويمسّ بلاندين بأذى. كانت نحيفة، ضعيفة، محتقَرة، فتسربلت المسيح، المجاهد العظيم، الذي خوّلها أن تغلب العدوّ…
في اليوم الأخير، تلقّت نصيبَ رفاقها من العذابات، وقد جاء دورها آخرهم جميعًا. بعد الجلد، والوحوش، والنار، حبسوها في شبكة ليتركوها ضحيَّةَ أحد الثيران. رفستها البهيمة عاليًا مرارًا، أمّا هي، فلم تشعر بما يحدث لها، لأنّها واصلت حديثها إلى المسيح، وكلّها مأخوذة برجائها في الخيرات المستقبلة. فانتهى الأمر بهم إلى ذبحها، هي أيضًا. واعترف الوثنيّون مُكرَهين أنّهم لم يشهدوا في حياتهم امرأة تكابد عندهم عذابات بهذا المقدار وبهذه الوحشيّة.

-بَربَتوا Perpétue القرطاجيّة (1شباط)
كانت في الثانية والعشرين، في صفّ الموعوظين. سألت الجند حينما أوقفوها أن يسمحوا لها بالاحتفاظ بابنها الرضيع. في الزنزانة الخانقة حيث احتجزوها، مع مسيحيّين آخرين، رأت في الرؤيا سلَّمًا تصعد إلى السماء، وأدوات التعذيب معلّقة في جوانبها. أمّا هي ، فانطلقت، وداست التنّين الذي في كعب السُّلَّم، لتصل إلى القمّة بقفزة واحدة، حيث استقبلها مصفٌّ من الشهداء يلبس البياض. ولمّا سمعت حكم القاضي، هتفت: ” الحمد لله! كنت دائمًا فرحة مَرِحة. والآن فرحتي تزداد!”
أمّا فيليسيتاس (Félicité) الحامل في شهرها الثامن، فندبَت حظَّها لأنّ موعد إعدامها تأجّل بسبب وضعها الخاصّ. وبفضل صلاة الشّهداء، سهّل الله أنّ تنتابها آلام المخاض قبل الألعاب بثلاثة أيّام. ولمّا رآها أحد الحرّاس تتأوّه، سخر منها، واعدً إيّاها بآلامٍ أفظع بما لا يُقاس. فأجابته القدّيسة: “الآن، أنا التي تتألّم، أمّا حينذاك، فسيأتلّم شخصٌ آخر من أجلي، لأنّي سأتألّم من أجله!” ثمّ ولَدَت فتاةً أودَعَتْها امرأةً مسيحيّة، وأخذت تستعدّ لجهادها الأخير…
طرحوا “بَربَتوا” أمام بقرة هائجة، فرمتها هذه في الهواء برفسة، ولمّا وقعت على كُليَتيها، سرعان ما أنزلت فستانها الممزّق، ملتفتةً إلى الحشمة أكثر من انتباهها إلى الألم. وربطت ضفائر شعرها المنحلّة، لئلاّ تبدو كالمرأة في الحداد، فيما هي وارثةٌ المجد. ثمّ ذهبت إلى فيليسيتاس لتساعدها على النّهوض. فلمّا شاهد الجمهور شرف خُلْقِهما وجمال طلعتهما، هدأ قليلاً، وأُخرِجَت الشّهيدتان من الحلبة.
…ساعة تنفيذ الإعدام، بعد أن قبّلت رفاقها قبلة السلام، أخطأ السّيّاف وأصابها بين ضلوعها، فصرخت. ثمّ أمسكت يد الجنديّ المرتجفة، وصوّبت السَّيف نحو عُنُقها…
-أوريستوس (13 كانون الأوّل)
مُجنَّد حديث العهد في الجيش الرومانيّ المتمركز في الكبادوك أيّام حملة الاضطهاد التي شنّها ذيوكليسيانوس. أثناء التّمرينات، فيما همّ برمي الحربة، ظهر الصليب الذّهبيّ المعلَّق في رقبته. ولدى استجواب الدوق ليسياس، الذي اعتقل لتوّه إفستراتيوس ورفقته، اعترف بأنّه مسيحيّ منذ نعومة أظفاره… فسُلِّمَ للمحكمة والتعذيب معهم في سبسطية. ولمّا صدر أمرٌ بإلقائه على سرير حديديّ محمّى بالنار، تملّكه خوفٌ طبيعيّ كإنسان، فتردّد قليلاً. ولكنّ إفستراتيوس شجّعه، فأسرع الشّاب بحماسة، قائلاً: “يا ربّ، في يديك أستودع روحي!”
-شهداء جدد من أيّام العثمانيّين
هؤلاء أجبِروا على إنكار المسيح في حداثتهم، تحت ضغظ الأتراك، ثمّ أدركوا فداحة خطإهم، وسلكوا في التوبة وحياة النسك، ممّا أثار في نفسهم رغبة الاقتداء بآلام المسيح. فهيّجوا الحكّام المسلمين، دائسين العمامة التي ترمز إلى انتمائهم للإسلام، وتوجّهوا إلى منصّة الإعدام وهم يحيّون المسيحيّن مسرورين، كمن يذهب إلى العرس (مثلاً: القديس لوقا من ميتيلين- 23آذار).

*****
طريق القداسة:
– الانتباه إلى حاجة القريب والمحبّة في تفاصيل الحياة. اللطف ونبل الأخلاق ميزة القدّيسين وعنوان المناقبيّة المسيحيّة في وجه السّفاهة والبذاءة التي يروّجها عالمنا المعاصر.
– ذكر الله والصّلاة المستمرّة: هذه يمكن أن تتّخذ أشكالاً متنوّعة، ولكنّها تبلغ ذروتها في اللقاء بالمسيح في الحبّ، وهي اتّحاد بالله ومشاركة في نوره. ولكن يجب التمييز بين طلب المعونة من الله والصّلاة التأمّليّة، التي هي هدف الحياة المسيحيّة. فالله في هذه الصلاة يحتضننا ليدخلنا إلى حبّه. ومن أراد أن يشعر بحضور الربّ في قلبه عليه أن ينمّي وعيَ ضميره وحسِّه الرّوحيّ.
– الأسرار ليست ضربًا من ضروب السِّحر، بل تنقل إلينا طاقة النعمة التي تقدّسنا، ولكن على قدر ما نستعدّ لها.
-مواهب الروح القدس: إنّ الذين “صَلبوا أجسادهم” أي كُلَّ ما يشُدُّهم إلى الإنسان القديم، لكي يعيشوا بحسب الروح القدس، سينالون في المقابل الثِّمار التي هي “الطاقات الإلهيّة”.
“وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ” (غلا5: 22-23).
هذه الثمار قد تعتلن فينا بطرائق أخرى، نعرفها من خلال العلامات التالية: أن نَقبل الآخرين كما هم، من غير أن نحاول تغييرهم على هوانا. أن نُظهِرَ ثباتًا وتفاؤلاً في الصّعاب (بطالة، فقر، قلق بسبب وضع البلد، وهنا ينبغي أن نتذكّر أنّ القدّيسين عاشوا كلّهم في فتراتِ بلبلة لم تعرف الأمان). ألاّ نخشى الفقر، بل نكتفي بالقليل، لكي نكرّس وقتًا أطول لخدمة من هُم على صورة الله، بدل أن نكدّس المقتنيات ونجمّع الرّفاق. أن نُظهر عمليًّا عنايتنا بالقريب ومحبّتنا له، ليس فقط ببذل الإحسان من أجل إسكات الضمير، بل ببذل كلام التعزية للمتألّمين، وبعض الوقت للمرذولين.
أخيرًا، إنّ مثالنا الأعلى ومَنشأ الجهاد في حياتنا هو أن نذوق الحياة الأبديّة وننشر حولنا فرح انتصار المسيح على سائر أشكال الموت. فالمسيح لا ينفكّ يقرع باب قلبنا، منتظرًا أن نفتح له.
إنّ الفرح الحقيقيّ الذي يمنحنا إيّاه الروح القدس الحاضر فينا بمواهبه هو ميزة كلّ مسيحيّ.

ملحق:
علاقة الأرثوذكس بالغرب وبالعالم المعاصر
أن نعيش تراث الكنيسة منذ ألفي سنة، وهي حاضرة في الأبديّة، هو أن نعيش “الإنسان الجديد”. حينئذ، نشتمُّ في ما يَروجُ في العالم رائحة البطلان والموت. يعبر في الغد، ولا ينفكّ الناس يبتدعون حاجات اصطناعيّة ليوهموا أنفسهم أنّهم لا يموتون.
يجب أن نفتخر باختلافنا، لا عن ضغينة، بل لأنّ هذا الاختلاف هو ختم مصداقيّة العقيدة الأرثوذكسيّة، وهي ما يبحث عنه الغربيّون، بعد أن فقدوا الحلقة التي تصلهم بالتراث. إيّانا وعقدة النقص، لأنّ نقطة القوّة عند الغرب دخلت منذ فترة بعيدة في عمليّة تدمير ذاتيّ.
فلنتعلّم أن نستغلّ الوقت حسنًا، لأنّ الفرص التي نفوّتها لا تعود. كلّ لحظة من حياتنا محمّلة بالأبديّة، ويمكن أن تصير سلَّمًا إلى ملكوت الله. أن نفتدي الوقت، يعني أن نجد الفرَص المناسبة لاقتحام ملكوت السماوات، فنغدوَ ورثةً له “مع القدّيسين جميعًا”.

 

 

القداسة: هل هي ممكنة في عصرنا؟