/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / إننا نحبه لأجل شخصه، لا لأجل مكافأته أو عطاياه سفر نشيد الأنشاد

إننا نحبه لأجل شخصه، لا لأجل مكافأته أو عطاياه سفر نشيد الأنشاد

 

 

 إننا نحبه لأجل شخصه، لا لأجل مكافأته أو عطاياه  سفر نشيد الأنشاد

  1. نشيد الأناشيد الذي لسليمان.
  2. ليقبلني بقبلات فمه، لأن ثدييك أفضل من الخمر.
  3. رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب. اسمك دهن مهراق. لذلك أحبتك العذارى.
  4. اجتذبني، فنجري ورائك نحو رائحة أدهانك. أدخلني الملك إلى حجاله. نبتهج ونفرح بك. نذكر حبك أكثر من الخمر. بالحق يحبونك! البسوا ثوب العرس!

[يرى القديس غريغوريوس أن إدراك أسرار هذا السفر – سفر العرس السماوي – هو موهبة يقدمها العريس السماوي لعروسه التي تختفي فيه، كما في ثوب ملوكي مقدس… لهذا لاق بالنفس أن تخلع عنها ثوب الأفكار الجسدانية حتى ترتفع بروح الرب إلى حجال عريسها وتتأهل للتمتع بأسراره.]

أنتم يا من – حسب نصيحة القديس بولس – قد تجرّدتم من الإنسان العتيق بأعماله وشهواته كما من رداء قذر، وارتديتم بطهارة حياتكم ملابس الرب اللامعة التي ظهر بها على جبل التجلي.

يا من لبستم الرب يسوع المسيح بثوبه المقدس، وتغيرتم معه إلى التحرر من الأهواء، وتبعتم الإلهيات.

استمعوا الآن إلى أسرار نشيد الأناشيد.

ادخلوا إلى حجال العريس الطاهر، والبسوا الثياب البيضاء التي للأفكار الطاهرة النقية.

لا يكن لأحد شهوات وأفكار جسدية وثوب ضمير غير لائق بالعرس الإلهي.

ليتخلص كل أحد من أفكاره الشخصية، ولا يربط أقوال العريس والعروس بالأهواء الجسدية الحيوانية.

كل من يظهر أنه مرتبط بهذه الأفكار المشينة يلزم طرده من صحبة المتمتعين بأفراح العرس إلى موضع النحيب (مت 22: 10-13).

حياة الحب لا الخوف!

[بعد أن طلب القديس منا أن نخلع ثوب الأفكار الجسدانية ونرتدي مسيحنا ثوبًا مقدسًا، طالبنا أن نلتقي بعريسنا على مستوى الحب الحقيقي، لا الخوف. نطلبه لأجل حبنا له، وليس خوفًا من أن نفقد المكافأة. إننا نحبه لأجل شخصه، لا لأجل مكافأته أو عطاياه.]

قدمت هذا التحذير قبل أن أورد التفسير السري لنشيد الأناشيد، حيث تحيط كلماته النقية الروحية غير الجسدانية بالنفس وتوحِّدها مع الله. لأن الله الذي يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (1 تي 2: 4)، يظهر هنا طريق الخلاص الأكمل والمطوَّب، أقصد طريق الحب. فبالنسبة للبعض يتم الخلاص بالخوف: الخوف من العقاب في جهنم، وبهذا يبتعدون عن الشرور. والبعض الآخر يسلكون في طريق الفضيلة مترجين المكافأة من أجل الحياة التقوية. هؤلاء لا يعملون الخير من أجل الحب بل انتظارًا للإثابة.

على الجانب الآخر نجد أن الشخص الذي يُسرع إلى الكمال الروحي يرفض الخوف (لأن الخوف هو عبودية؛ ومثل هذا الشخص الخائف لا يبقى مع سيده من أجل الحب. فإنه لا يهرب لئلا يُجلد). بينما الشخص الذي يطلب الكمال هو الذي يستخف حتى بالمكافأة، فإنه لا يرغب في أن يُشار إليه بأنه يفضل الهدية على مهديها. أنه يحب “من كل قلبه ونفسه وقوته” (تث 6: 5)، ليس من أجل الأشياء التي يهبها الله له، بل يحب الله مصدر كل الصالحات. هذا هو ما يأمر به الله كل النفوس التي تصغي إليه، فإنه يأمرنا أن نشاركه حياته.

بين السيد المسيح وسليمان

 سليمان هو الذي أسس هذا القانون (1 مل3: 12 ؛ 5: 9-14). فبحسب الشهادة الإلهية، فاقت حكمته كل المقاييس، ولم يكن لها مثيل في كل من سبقوه وكل من أتوا بعده. كان ثاقب الفكر، لا تخفي عنه خافية.

لا تظن أنني أقصد سليمان الذي من بئر سبع، والذي قدم آلاف الذبائح على الجبال (1 مل 11: 6-8)، والذي أخطأ بعد أن أغوته المرأة التي من صيدا (1 مل 11: 1-2). كلاَّ، أنه سليمان الآخر (المسيح) هو المُعنى به هنا، ذاك الذي جاء من نسل داود حسب الجسد، واسمه يعني سلامًا، الملك الحقيقي لإسرائيل وباني هيكل الله. سليمان الآخر هذا عنده معرفة كاملة بكل شيء. حكمته غير محدودة، وجوهره هو حكمة وحق، واسمه ممجد وإلهي وأيضًا فكره.

استخدم المسيح سليمان كأداة وكلمنا خلال فمه أولاً في الأمثال ثم في الجامعة. وبعد هذين السفرين تكلم خلال الفلسفة التي تضمنها نشيد الأناشيد موضحًا لنا كيف يكون التدريج إلى الكمال بترتيب.

بين الأمثال والجامعة ونشيد الأناشيد

[يقدم القديس عرضًا رائعًا لهذه الأسفار الثلاثة بكونها الأسفار التي تسند المؤمن عبر كل حياته. يسنده سفر الأمثال كما من طفولته الروحية، ويسلمه إلى سفر الجامعة كإنسان عبر إلى نوع من النضوج، وهذا يسلمه إلى سفر نشيد الأناشيد، سفر العروس الكاملة المتحدة بعريسها، تتعرف على أسراره الإلهية.]

 الإنسان غير قادر في كل مرحلة من مراحل حياته على إنجاز كل نوع من العمل. وأيضًا نجد أن حياتنا لا تتقدم بنفس الأسلوب في مراحل حياتنا المختلفة.

(فالطفل لا يستطيع أن يقوم بأعمال الإنسان الناضج، والناضج أيضًا لا يُحمَل بين يديّ مرضعته. إذًا فلكل مرحلة من العمر نشاطها الذي يناسبها.)

إذًا نجد أن النفس تنمو كالجسد أيضًا بترتيب خاص وتدرُّج يؤدي بها إلى حياة الفضيلة. فسفر الأمثال له أسلوبه المميز في تعاليمه، وسفر الجامعة له أسلوب آخر، بينما فلسفة نشيد الأناشيد تسمو على كليهما بتعاليمها الفائقة.

إن تعاليم سفر الأمثال تناسب الشخص الحديث السن، حيث أن كلماته تحث على أعمال تتلائم مع هذه المرحلة من العمر. “اسمع يا ابني تأديب أبيك ولا ترفض شريعة أمك” (أم 1: 8).

نرى هنا أن النفس في هذه المرحلة من العمر تتميز بليونة حيث يسهل تشكيلها، وأيضًا تكون بعد في احتياج للإرشاد والتشجيع الأبوي. يجب على الآباء (والأمهات) أن يتفهموا كيف يشجعوا أطفالهم ليكونوا أكثر حرصًا في استذكار دروسهم وأيضًا في الإصغاء بأكثر اهتمامٍ لنصائح والديهم، ربما عن طريق الوعود بتقديم هدايا لطيفة من وقت لآخر، مثل تقديم سلسلة ذهبية براقة حول عنقه أو تاج مزين بورود جميلة. على الوالدين تفهم مثل هذه الأمور تمامًا إذا ما كانت نيتهم وراء ذلك هو تقدُّم أولادهم.

هكذا فإن سفر الأمثال يبدأ بوصف الحكمة للطفل بطرق متنوعة، ويشرح الجمال الذي يفوق الوصف بحيث لا يوحي بأي خوف أو ارتباك بل بالأحرى يجذب الطفل إلى الشوق والرغبة في عمل الصلاح. إن وصف أوجه الجمال يجذب الشاب بطريقة ما للرغبة فيما يشاهده من هذا الجمال، وبالتالي يثير رغبته للمشاركة فيه.

ثم يزيِّن سليمان جمال الحكمة بتمجيدها، وذلك حتى يزداد حبنا للحكمة بعدما تحولت ميولنا المادية إلى أخرى غير مادية. ليس أن سليمان يصور جمالها بالكلمات فحسب بل أنه أيضًا يذكر مقدار الغنى المذخَّر في الحكمة، حكمة الله التي تقطن معنا حتميًا. حينئذ نشاهد هذا الغنى في الحكمة الرائعة الزينة. إن الزينة على يمينها طول الأيام، إذ أن كلمات الحكيم تقول: “في يمينها طول الأيام” (أم 3: 16). وتلبس على يسارها ثروة الفضيلة الثمينة وعظمة المجد معًا؛ “وفي يسارها الغنى والمجد” (أم 3: 16).

ثم يتحدث سليمان عن العبير الذي يفوح من فم العروس، نسيم الرائحة الذكية التي للفضيلة: “من فمها يخرج كلام البرّ” (3: 16). وبدلاً من اللون الأحمر الطبيعي لشفتيّ العروس يقول إن الشريعة والرحمة تخرج من شفتيها. وحتى يكمل جمالها يمدح أيضًا خطواتها فيقول “في طريق العدل اتمشَّى في وسط سبل الحق” (أم 8: 20).

في مدحه لجمالها يمدح سليمان أيضًا ضخامة حجمها الذي يشبه شجرة مورقة عظيمة. وهذه الشجرة التي يبلغ ارتفاعها ارتفاع قامة عروسه، هي شجرة الحياة على حد قوله، وهي تغذي من يلتجئ إليها، وهي دعامة قوية وراسخة لمن يتكئ عليها كما على الرب، فهي بالمثل ثابتة. وتُمتدح قوتها أيضًا حتى يكون تمجيد جمال الحكمة كاملاً، مشتملة على كل ما هو صالح. “الرب بالحكمة أسس الأرض. أثبت السموات بالفهم” (أم 3: 19). ينسب سليمان جميع عناصر الخليقة إلى قوة الحكمة ويصفها بأسماء كثيرة، كلٍ يحمل المعنى ذاته للحكمة مثل التعقل، الإدراك الحسن، المعرفة، الفهم وما شابه ذلك.

ثم يرافق سليمان الشاب إلى محل إقامة خاص ويحثه ليتفرس في حجرة العرس. “لا تتركها فتحفظك، اَحببها فتصونك. الحكمة هي الرأس. فاقتنِ الحكمة وبكل مقتنياك اقتن الفهم. ارفعها فتُعلِّيك. تمجدك إذا اعتنقتها. تعطي رأسك إكليل نعمة. تاج جمال تمنحك”.

والآن فإن الشاب المزيَّن بتاج العرس يحثه العريس على عدم ترك الحكمة “إذا ذهبت تهديك، إذا نمت تحرسك، وإذا استيقظت فهي تحدثك” (أم 5: 22). بتلك الطرق وبأخرى حث سليمان الشاب بحسب الإنسان الباطن وأشعل رغبته للتمسك بالحكمة، إذ الحكمة تصف نفسها. بذلك انتزع سليمان حب كل من استمع إليه. إلى جانب ذلك فالحكمة تقول: “أنا أحب الذين يحبونني” (أم 8: 17)، إذ أن اشتياق المحب هو إن يُرَدَ له الحب بالحب، يؤدي به إلى رغبة شديدة بالأكثر. أضاف سليمان إلى هذه الكلمات نصائح آخرى بتصريحات أكثر وضوحًا وسلاسة. وقد قاد سليمان الشباب إلى المثالية في أروع صورها في الآيات الأخيرة من سفر الأمثال، حيث يقول “مبارك” هو اتحاد الحب، في هذا الجزء الذي يخص مدح المرأة الفاضلة.

 يضيف سليمان فلسفة سفر الجامعة إلى الشخص الذي أخذ قسطًا تمهيديًا وافيًا من التدريبات المشتمل عليها سفر الأمثال، وصار مشتاقًا إلى الفضيلة.

بعد أن وبخ سليمان في سفر الجامعة سلوك الإنسان تجاه المظاهر الخارجية، وبعد أن قال إن كل ما هو غير ثابت هو باطل وعابر “كل ما يأتي باطل” (جا 11: 8). نجد سليمان بعد ذلك قد ارتفع فوق كل الأشياء المحسوسة، أي حركة الحب التي توجه نفوسنا تجاه الجمال غير منظور.

وهكذا إذ غسل القلب من الأمور الخارجية بدأ سليمان يمهد النفس للدخول إلى قدس الأقداس خلال نشيد الأناشيد. إن نشيد الأناشيد يصف عرسًا إنما ما يفهم ضمنًا هو اتحاد النفس البشرية مع الله.

لذلك فإن الابن الشاب في سفر الأمثال يسمَّى العروس وتتخد الحكمة دور العريس، حتى أن الإنسان يستطيع أن يتحد بالله إذ يصير عذراء طاهرة بدلاً من كونه العريس. بالتصاقه مع الرب يصير الإنسان روحًا واحدًا معه (1 كو 6: 17) من خلال الوحدة، مع ما هو طاهر ونقي ذهنيًا بدلاً من التثقل بالجسد وأهوائه.

ليلتهب قلبك حبًا نحو العريس السماوي!

بما أن الحكمة هي التي تتكلم، إذًا فلتُحب قدر ما تستطيع بكل قلبك وكل قوتك (تث 6: 5)؛ لتكن فيك هذه الرغبة قدر استطاعتك. وإنني اتجاسر فأضيف لهذه الكلمات: “لتكن توَّاقًا لذلك”. هذا الشعور تجاه الأمور غير الجسدية، إنما هو فوق الشبهات وخالي من الشهوة، كما تقول الحكمة في سفر الأمثال عند وصفها للحب المتقد للجمال الإلهي.

لكن النص أمامنا الآن يحثنا بالمثل. أنه لا يقدم لنا مجرد نصيحة بخصوص الحب، لكن من خلال الأسرار التي لا يُنطق بها يفلسف صورة مباهج الحياة، مقدمًا لنا إياها كاستعداد لإرشاداتها. إن الصورة هي إحدى صور الزفاف حيث الرغبة في الجمال تمثل الوسيط. لا يبدأ العريس بإظهار رغبته حسب العادة البشرية الطبيعية، لكن العروس هي التي تبادر بإظهار مشاعرها بلا خجل وتتوسل أن تحظى بقبلات العريس.

إن الذين يخدمون الخطيبة البكر ويلازمونها هم البطاركة والأنبياء ومعلمي الناموس. إنهم يقدمون للعروس هدايا العرس، كما كانت. (من أمثلة هذه الهدايا: غفران المعاصي، نسيان الأعمال الشريرة، غسل الخطايا، تغيير الطبيعة، أي تصير الطبيعة الفاسدة طاهرة، التمتع بالفردوس، وكرامة ملكوت الله، والفرح اللانهائي.) عندما تتقبل العروس كل هذه الهدايا من النبلاء الحاملين لها والذين يقدمونها خلال تعاليمهم النبوية حينئذ تعترف باشتياقاتها ثم تسرع لتتمتع بامتياز جمال الواحد طالما اشتاقت إليه.

يصغي خدام البتول ومرافقوها إليها ويحثونها بالأكثر لاشتياق متزايد. ثم يصل العريس قائدًا جوقة من المغنين فيما بينهم أصدقاؤه والذين يترجون خيره. هؤلاء يمثلون الأرواح الخادمة التي تنقذ الإنسان أو الأنبياء الأطهار. عند سماع صوت العريس يفرحون (يو 3: 29)، عندما يتحقق الاتحاد الطاهر حيث تصير النفس الملتصقة بالرب روحًا واحدًا معه كما يقول الرسول (1 كو 6: 17).

الإعداد لفهم السفر

سأعود ثانيًا إلى ما سبق إن قلته في بداية هذه العظة: لا تدع أي شخص شهواني أو جسداني تنبعث منه رائحة الإنسان العتيق الكريهة (2 كو 2: 16) أن يقلل من أهمية الأفكار والكلمات المقدسة، ويستبدلها بأخرى شهوانية حيوانية، بل بالأحرى ليخرج كل إنسان من الأنا ويعتزل العالم المادي. ليصعد إلى الفردوس خلال قطع رباطات العالم إذ صار مثل الله خلال النقاوة. ثم نقول ليدخل كل منا إلى قدس أقداس الأسرار المعلنة في هذا الكتاب (سفر نشيد الأناشيد).

 إذ ما كانت النفس غير مستعدة لسماع ذلك فلتنصت لموسى النبى الذي يمنعنا من الصعود على الجبل الروحي قبلما نغسل ثياب قلوبنا وأيضًا ننقى نفوسنا برش الماء المقدس اللائق لتنقية أفكارنا أولاً وبالتالي نفوسنا.

وحينما نتكرس لمثل هذه التأملات علينا إن نلقي جانبًا فكرة الزواج كما أمر موسى (خر 19: 15) حينما أمر الذين بدأوا بغسل ثيابهم بألاَّ يقربوا امرأة. علينا أن نتبع إرشاداته حينما نكون على وشك الاقتراب من الجبل الروحي لمعرفة الله: إذ أن الأفكار عن النساء وما يصاحبها من حب اقتناء الماديات يجب أن يُترك جانبًا مع اعتزال الحياة السفلية.

إذا ما قامت أي نزوة غير منطقية عند سفح الجبل يجب إن تُحطم بقوة مضادة من أفكار أكثر حزمًا كما لو كانت تُرجم بالحجارة. وإلا فسوف يصعب علينا أن نسمع صوت البوق الذي يتردد بصوتٍ عالٍ وعظيم يفوق طاقه السامعين. يصدر هذا الصوت من مكان وجود الله الخفي، والذي يحرق كل ما هو مادي فوق هذا الجبل.

يتبع…..

القديس غريغوريوسالنيصي
www.orthodoxonline.org

 

 

 

 

 

 

إننا نحبه لأجل شخصه، لا لأجل مكافأته أو عطاياه

سفر نشيد الأنشاد