/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / إنتبه لنفسك من هيرودس الذي فيك

إنتبه لنفسك من هيرودس الذي فيك

إنتبه لنفسك من هيرودس الذي فيك

بقلم الأب ملحم (المحيدثة)

قَصرٌ مملّ كئيب لأن فيه السلطة والمال والجنس، ولا هدف فيه ولا وضوح رؤية. فيه كل شيء يمكن أن يخطر على بال بشرٍ، إلا أنه خالٍ من الله ومن رجال الله، فرجال الله يندر وجودهم في الثياب الناعمة أو في قصور الملوك أو حيث للمال سطوةٌ أو للجسد إيحاءٌ وتأثير.

قصرٌ فيه الملك هيرودس الذي اتّخذ هيروديا، زوجة أخيه فيلبّس، وهو عالِم أنه باتخاذه إياها يُخالف الشريعة. ولكن معصية الجسد راودته أولاً في الفكر. راودته مرةً ومرّتين، وألحّت. ثم راحت المعصيةُ تُزيّن له قصره المملّ وحياته الرتيبة. كيف الخروج من الرتابة القاتلة؟

فكّر هيرودس كثيرًا قبل تنفيذ المخالفة التي راودته فكرًا. ضميره أولاً لم يُطاوعه. ثم ماذا سيقول عنه الناس لو عرفوا ورأَوا؟ ولكن حياته قاسية، ولا أحد يحنو عليه أو يحبّه، وهناك باب للحنان والحبّ. هناك باب للفرج يمكن فتحه فيُصبح لحياةِ الملك معنًى وطعمٌ ولذّة. باتت المعصيةُ «شهيّةً لعينه ومُنيةً لعقله» (تكوين 3: 6)، وبات يَنسُب اليها كلامَ الله «يا بنيّ أَعطني قلبك» (أَم 23: 26). دوّخته شهوته لأن «دوار الشهوة يطيشُ العقلَ السليم» (حكمة 4: 12).

داخ هيرودسُ بهيروديا فسقط بها وارتكب. ولكن اللذة بعد تنفيذها موجعة. كل لذّة نتيجتها ألم. عاد الملك الى الكآبة على رغم كلّ الوعود التي أَوهمَتْه بها خطيئتُه. عاد القصر بكل مكوّناته مظلمًا من جديد. عاد القصر مفتقرًا الى النور وجائعًا الى الحياة.

لاحت في الأفق بارقةُ أمل أخيرة. عرف هيرودس ماذا ينقص قصرَه بعد. لا بد من أن الله ينقصه. لا بد من استدعاء رجل الله يوحنا المعمدان ووضْعه في القصر لتستقيم حياةُ القصر. يَعلم الإنسان في النهاية أن الحياة إنما هي في الله وفي كلمته المحيية. استدعى هيرودسُ يوحنا الى داره وجعله يُقيم فيه. ولكن إقامة المعمدان في دار الملك اختلفت عن إقامة سواه مِن سكّان الدار. جُعل النبيّ في سجن القصر ليبقى لهيرودس وحده أَمرُ إدارةِ داره، ولتبقى كلمةُ صاحب الدار فوق كلام الله الصادر عن النبيّ. كان هيرودس «يحافظ عليه»، وكان «يصنع أمورًا كثيرة على حسب ما سَمع منه بانبساط». أحسّ هيرودس أن وجود رجل الله يوحنا في حياته قد يُحدث بعض التحوّل، وكان لا مانع عنده مِن صرف بعض الوقت معه على طريقةِ “ساعةٌ لك، وساعةٌ لربّك”. وكان يشعر ببعض الراحة إذا أَحسّ أنه أَطاع بعض توجيهاته، وأَصلح بعض أخطائه. ولكنه كان يحتفظ بخطيئة عمره العظمى، الخطيئة التي لا تُمسّ: ارتباطه بهيروديا.

ماذا كان موقف النبي من الملك؟ النبيّ يُطلق كلام الله بلا مواربة ولا محاباة وبلا تلطيف وبلا «أساليب رعائية». لم يقل يوحنا للملك الخاطئ: هذه خطوة غير حكيمة لأنها تقطع علاقتك بأُسرتك وتُعرّضك للكراهية، بل قال صراحةً «لا يحقّ لك أن تكون لك امرأةُ أخيك». رفع النبيُّ القضية إلى أعلى محكمة: أَوقف الطرفين المجرمين أمام الله، ووضع «الفأس على أصل الشجرة».

ماذا كان موقف هيروديا؟ أَوحَتْ الى ابنتها صالومي أن تطلب من الملك رأس يوحنا على طبقٍ من فضّة. الخطيئة تدفعك الى قطع اتصالك بالله. الخطيئة تعرف ماذا تريد، وتُصرّ على ذلك: أن تكون لها، عبدًا لها منجذبًا إليها، وأن تكون لها وحدها.

ماذا كان موقف الملك؟ احتار الملك. على مَن يُبقي: أَعَلى يوحنا الذي «يُحافظ عليه»، أَم على هيروديا التي يستلذّها وتستعبده؟ هل ينفّذ كلامَ الله كاملاً، أَم كلامَ الخطيئة كاملاً؟ عندما وصل به الأمر الى الاختيار النهائيّ، «استحوذ على الملك حزنٌ شديد» لأن الخطيئة مَلكتْ قلبَه كله. كان يودّ لو يُبقي على زاويةٍ لله في حياته، ولكن للخطيئة متطلّبات، وهو استلذّ الخطيئة، وراح يخضع لمتطلباتها التي هي حلقةُ خطيئاتٍ متتالية تُوصِلُ الى دركات جهنّم. أراد الملك الاحتفاظ بخطيئته، فكان قراره إعدام يوحنا بقطعِ رأسه. “أَحبَّ الناسُ الظلمةَ أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة” (يوحنا 3: 19). وهكذا حصلت هيروديا على رأس يوحنا المعمدان على طبقٍ من فضة.دائمًا عليك الاختيار بين ما يوحيه إليك الله بكلمته، وبين ما توحيه إليك نفسُك بشهواتها. لا يمكنك الاحتفاظ بكليهما معًا، إذ “لا خِلطةَ بين النور والظلمة” (2كورنثوس 6: 14). والقرار الأخير في يدك: أنت مع أيّهما؟

قُطع رأس يوحنا المعمدان في مثل هذا اليوم (29 آب) بأمرٍ من هيرودس. ولكن هيرودس اندثر مع خطيئته، إلا أن يوحنا لا يزال يقول لنا حتى اليوم «توبوا فقد اقترب ملكوت السموات… إصنعوا ثمارًا تليق بالتوبة».

إنتبه لنفسك من هيرودس الذي فيك