/ التعليم والعقيدة الأرثوذكسية / أيّة كنيسة؟!.

أيّة كنيسة؟!.

أيّة كنيسة؟!.

   ما الدّافع إلى السّؤال؟ الدّافع هو التّأكيد أنّ ثمّة، في الحقيقة، كنيسة وكنيسة: واحدة روحيّة وأخرى نفسانيّة. تتشابهان، لكنّهما تتنافران. تنقض إحداهما الأخرى. إذا ما سادت الواحدة انتفت الأخرى. ماذا نعني بذلك؟ ما تُراه الفرق بين ما هو روحيّ وما هو نفسانيّ؟.

   الرّوحيّ هو ما ينبع من الرّوح القدس. والرّوح القدس هو من ينشئ الكنيسة، شاهدًا للرّبّ يسوع المسيح، ومادًّا حضوره فينا وبيننا. فأنت من الكنيسة، إذا كنتَ من الرّوح القدس. وأنت من الرّوح القدس، إذا كان الرّوح القدس حيًّا فيك. وهو حيّ فيك، إذا كان فاعلاً فيك. وهو فاعل فيك، إذا كان حاكمًا فكرَك وسلوكَك، على كلّ صعيد: على صعيد داخلك وعلى صعيد خارجك، على صعيد الفكر وعلى صعيد النّيّة، على صعيد القصد وعلى صعيد التّصرّف!.

   دونك علاقتي بك. إذا كنتُ روحيًّا، أي كنسيًّا، بالفعل، فأنا أحبّك. لا يمكنني إلاّ أن أحبّك لأنّ الله محبّة، والرّوح القدس محبّة!. لا يمكنني أن أكون من الرّوح القدس إذا لم تمكن محبّته هي الفاعلة فيّ!. كيف أستدلّ على محبّتي لك؟ أحبُّك إذا عاملتُك كما أريدك أن تعاملني!. أسمعك، لا سيّما حين تعاني، لأنّي أحبّ أن تسمعني حين أُعاني!. عيني عليك، أُحسّ بك، أمتدّ صوبك، لا سيّما متى كنتَ بحاجة إلى من يؤنسك، إلى من يجالسك، إلى من يدفئ قلبك، إلى من يعزّيك، إلى من يخدمك!.

   للمحبّة شفافيّتها، وهي تبثّنا إحساسًا، أحدنا بالآخر، وتعطيني أن أرنو إليك، كصنوي؛ تُحضرك لديّ مهما باعدت المسافات فيما بيننا. أراني من خلالك بدل أن أراك من خلالي. لا أعود أذكرك فقط متى كنتُ بحاجة إليك، بل في ذاتك، لا سيّما متى كنتَ بحاجة إليّ!. أَنساني إليك كما تنسى الأمّ نفسها لتَحضُر لدى وليدها!. مَن أخي وأختي وأمّي؟ من يحبّ الله، ومن يحبّ بمحبّة الله!.

   من يقدر أن يسلك كذلك؟!. من ارتاح فيه روح الله!. وكيف أُؤتى أن يرتاح روح الله فيّ؟ متى سلكتُ في وصايا الله… بنقاوة القلب وسلامة النّيّة ومجامع الكيان!. وأنّى لي أن أسلك في وصايا الله، على هذا النّحو؟ متى تمسّكتُ بها وثبتُّ فيها وكنتُ مستعدًّا لأن أقدّمها على راحتي وكرامتي ورأيي!. وأنا لا طاقة لي أن أقدّمها على راحتي وكرامتي ورأيي، إلاّ إذا أحسستُ، في قرارة نفسي، وتيقّنتُ من أنّ وصايا الله أثمن من كلّ ما لي!. بكلمات أحد الآباء المعاصرين: الحقّ أثمن من حياتنا!. الحقّ هو حياتي الجديدة!. ما يجعل وصايا الله مضمونَ ذاتي المرتجاة، الّتي يشاؤنا الله أن نصير إيّاها، وأشاؤني، أنا أيضًا، بكلّ الثّقة، وبكلّ الأمانة!. يسوع هو الكلمة المتجسّد، فأنا أصير، على مثاله، الوصيّةَ متجسِّدةً، من نسل آدم الجديد، محبّةً من المحبّة!. ذاتي الجديدة تصير إلهيّة بشريّة، من الرّوح، ومن اللّحم والدّم معًا، كائنةً!.

   لذا، لا إمكان سلوك، لديّ، في وصايا الله، إلاّ إذا كنتُ مستعدًّا، استعدادًا كاملاً، لأن أطّرح عنّي كلّ اهتمام دنيويّ حيث أجدني مزمِعًا، كلّ حين، أن أستقبل ملك الكلّ!. طبعًا، هذا لا أحقّقه دفعةً واحدة، بل بإصراري، وأنا واعٍ قولةَ الرّسول بولس: الإرادة حاضرة عندي، أمّا أن أفعل الحسنى فلستُ أجد!. إذًا، لا بأعمالي، كإنسان، بل بالإرادة، والنّعمة المتمثَّلة في حفظي للوصيّة، وإصراري، أنمو إلى ملء قامة المسيح!. هي مسيرة العمر أن أحفظ وصايا الله لأصير مثل الله!. هو محبّة، فأنا أطلب أن أُحبّ كما أَحبّ!. تعلّموا منّي!. هو رحمة، فأنا أطلب أن أرحم كما رحم!. هو حنان، فأنا أطلب أن أَحِنّ كما حَنَّ!. هو سلام، فأنا أطلب أن أكون أيقونة سلام كما هو سلامنا!. هو مبذول من الآب حبًّا، فأنا أطلب أن أمدّ نفسي بذلاً وحبًّا لمن بذل نفسه من أجلهم وأحبّهم!. هو الضّحيّة والمُضحّي، فأنا أُقرِّب نفسي قربانًا على مذبح الله والإخوة!. قريبي مَن أقرّب ذاتي قربانًا لديه!. بموتي عن نفسي لديه، يصير قريبي!. مسيحي قائم، في قيامته، على صليب محبّته إيّاي، فأنا أقوم، شريكًا في قيامته، على صليب محبّتي إيّاه… بين إخوتي!. أَحبّهم فيّ، لأنّنا، جميعًا، خاصّتُه، فأنا أحبّه فيهم، كخاصّتي، لأنّه كرّسنا، جميعًا، إخوة، فيما بيننا، وإخوة له!.

   كنيسة الرّوح القدس، بكلمة، هي الرّبّ يسوع المسيح حيًّا في كياننا وقوانا، ممدودًا في أجسادنا، حتّى من يرانا يراه ويسمعنا يسمعه ويتعاطانا يتعاطاه!. كنيسة الرّوح القدس هي يسوع المسيح إيّاه، معنا وفيما بيننا، في محبّته ووداعته وتواضعه وحنانه واتّخاذه إيّانا وفرحه بنا وبكائه علينا…

   طبيعيّ، في تعاطي الرّوحيّات، بين النّاس، أن تكون للإنسان خبراته النفساجسدانيّة: أفكار، أحاسيس، مشاعر… نحن لسنا بأرواح، نحن بشر من لحم ودم. لذا، ما هو روحيّ فينا يقترن بما هو للنّفس والجسد، ويجري التّعبير عنه فيهما، كلغة!. لا فصل بينهما، فقط تمييز!. ما هو للنّفس والجسد من الرّوح فينا، كالمقود من السّائق!. هويّة الإنسان، ذاتُه، بمعنى، تتروحن!. وما للنّفس والجسد قِوًى وأمداء للذّات!. هذان واحد، في بُعدَين: منظور (الجسد)، وغير منظور (النّفس). غير المنظور يشمل القوى الدّماغيّة، بما فيها التّفكير والمشاعر والأحاسيس والحدس، وما إليها من أمثال الذّاكرة والمخيِّلة… هذه تضبط المنظور وتسيِّره، وتتلقّى رسائل المحسوس وتفسِّرها وتشفِّرها!. لا النّفس تعمل من ذاتها ولا الجسد، إلاّ ما خصّ الوظائف الآليّة بطبيعتها، الّتي، إن توقّف أداؤها، انقطعت حياة الإنسان!. في ما عدا ذلك، الرّوح القدس، في القلب، يحدّد الفكر والمسير، وكذا طبيعة العلاقة بما، وبمن هم خارج الذّات!. ولكنْ، حيث لا روح قدس، أو حيث عمل الرّوح القدس معطَّل، ذاتُ الإنسان تكون مرتهَنَة لحبّ الذّات؛ وحبّ الذّات يتشكّل من جملة الأهواء والنّوايا والمقاصد المتمحورة في “أنا” الإنسان، الّتي تنطلق منه، كمصدر، وتصبّ فيه، كمرجع!. هذا ما يُعرف بـ”الإنسان العتيق”!. الإنسان، في عين نفسه، والحال هذه، هو الألف والياء لنفسه، هو الغاية، وما سواه أدوات!. لا يطلب، في العمق، إلاّ ما لنفسه في كلّ أحد، وفي كلّ شيء، ولا يستطيع أن يفعل، في ذاته، غير ذلك!.

   على هذا، الرّوحيّ، إذا حَكم في الإنسان، فإنّه يتجلّى في النّفس والجسد؛ فيما النّفسانيّ، إذا حكم فيه، فإنّه يطيح الرّوحيّ، ولا يُبقي منه إلاّ مظهره وشعاراته!. هذا إذا ما تمسّك بانتمائه إلى الرّوحيّ!. في الكنيسة النّفسانيّة، مؤمن بالشّكل لا بالقلب؛ عقيدة بالنّصّ، فقط، لا خارطة لحياة روحيّة تراثيّة فعليّة؛ طقوس لا عبادة، عادات دون مخافة الله. للمؤمنين المزعومين، في الكنيسة النّفسانيّة، صورة التّقوى، لكنّهم منكرون قوّتها. الصّليب للزّينة، أو له مفعول سحريّ، ولا يبالون بحمل صليب المحبّة كلّ يوم. النّفسانيّون طائفة لا كنيسة؛ جماعة ذات شعارات مسيحيّة لا أعضاء ينتمون إلى جسد المسيح!. شكلهم مسيحيّ ومضمونهم دهريّ. يلفّقون انتماءهم إلى المسيح، إلى انتمائهم إلى ذواتهم وإلى مصالحهم المشتركة!. يتعاطون السّلطة لا الخدمة، ولكن باسم الخدمة!. همّهم المؤسّسة لا المحبّة، أن يتكلّموا باسم الله لا أن يسلكوا في وصاياه!. كلامهم شيء وأفعالهم شيء آخر تمامًا!. يتكلّمون على الصّدق ويكذبون، على الأمانة ويسرقون، على العفّة ويزنون، على الرّحمة ويقسون، على المغفرة ويخاصمون، على الإمساك ويُسرفون، على الصّوم ويبطرون، على المحبّة ويكرهون، على ذكر الله ويلعنون!. همّهم في هذا العالم لا في الملكوت!. وثنيّون في تعاطيهم الله. يقصدونه متى كانوا بحاجة إليه!. يريدونه خادمًا لهم. يرفعون إليه العطايا، رشوةً، ولا يهمّهم أن يرنوا بقلوبهم إليه!. يقرّبونها كصفقة تجاريّة، أو للتّأمين على الحياة، أو ليتمجّدوا بين النّاس… لا يختلفون في شيء عن أبناء هذا الدّهر، فقط بشعاراتهم وكلامهم الأجوف!. يتغنّون بقيامة معلّمهم ونفوسهم ميتة!. يطربون لتراتيلهم وقلوبُهم نتنة!. صفيقون في الكلام، شتّامون، مستهترون، حاقدون، ومع ذلك يدّعون الغيرة على بيت الله!. يتغنّون بالفكر العظيم للمسيح، ولا يشاؤون أن يتوبوا، ويستخفّون بالصّوم، ولا تعني لهم الصّلاة شيئًا بل الأعمال، كما يزعمون؛ وفي كلّ أعمالهم لا يطلبون إلا أناهم!. يدّعون احترار العالم وهم الفاترون الخدِرون بأنفسهم!.

   هذه هي الكنيسة النّفسانيّة: تشويه كاريكاتوريّ لكنيسة المسيح، ونقضٌ لروحها، ومَتحفَةٌ لها!. هذه هي كنيسة الشّيطان، بامتياز، بين النّاس!. أن ينتفي روح الله في الكنيسة ويسود روح العالم، ونظنّ، موهومين، أنّنا للمسيح!. أما تُراها، تلك الرّوح الغريبة، تتسلّل، أخيرًا، إلى نفوس الأكثرين؟!. أما هذا هو أسوأ الإرتداد؟!. ضَربتنا اللاّمبالاة واجتاحنا التّلفيق والإحساس يموت!. غرباءَ عن البيت بات أهلُ البيت!. ربّاه، إلى أين بعد؟!.

الأرشمندريت توما (بيطار)، رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي، دوما – لبنان

عن “نقاط على الحروف”، 3 أيار 2015

 

 

 

أيّة كنيسة؟!.