/ الإنجيل / الفرّيسيّ والعشّار

الفرّيسيّ والعشّار

 

جاورجيوس، مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

 

اليوم، اذ نبدأ فترة استعدادية للصيام المبارك، نتلو هذا الإنجيل الكريم المتعلّق بالفرّيسي والعشّار حتى نتهيأ بامتثال وتواضع لملاقاة الرب في نصره الكبير.

 مثلٌ حكاه يسوع ليُظهر لنا رجلين: انسانًا عالمًا بالناموس تقيّا في مظهره، وانسانًا آخر عشّارًا اي انه بعبارة أخرى يأكل مال الدولة ومال المواطنين. حضرا كلاهما أمام الرب في الهيكل. هذه هي قصّتنا جميعًا إذ إننا نمتل أمام الله إما كالفريسي او كالعشار، نفـتخـر بأنفسنا وبتقـوانا، او نعترف بضعفنـا وسقطـاتنـا.

الفريسيون قوم يلتزمون بالشريعة، وليس فقط ذلك، بل يتممون ما لا تطلبه الشريعة من نوافل. فإنهم مثلا يصومون مرتين في الأسبوع والناموس لم يطلب ذلك، ويعشّرون أكثر مما يطلب الناموس. الفريسي الذي يحدّثنا عنه الكتاب انسان يحق له أن يتباهى في انه ينفّذ أقوال الله، ومع ذلك يبكّته الكتاب. وكأن الإنجيل يقول لنا ان الصلاح الذي فينا ليس لنا أن نفتخر به لأنه نعمة يقذفها الله في القلب. ما لنا من صلاح إنما نستمدّه من ربنا استمدادا.

اذا ما لاحظنـا أنفسنـا نرى أننا نقع في هذه الخطيئـة التي ارتكبهـا الفـرّيسـي. ألا يقـول الأكثـرون منّا: انـا لسـت بسـارق ولسـت بــزانٍ؟ ألا نفصُل أنفسنا عن عـامّة الناس وعـن “الخطأة”، أولئـك الذين نشير إليهم بالأصابع؟ ألا نرفع أنفسنا ونرفع رؤوسنا دائمًا، وإذا لامنا أحد عن نقيصة نردّ اللـوم عـوضًا عـن أن نقبل اللوم؟ ألا نزهو إن كنّا على شيء من العلم، ونتبجح إن كنّا على بعضٍ من غنى، ونتـلـذذ بأمجـادنـا ونحـن في ارتفـاع مطّـرد مقتنـعـيـن بأننـا خيـر النـاس؟

الذي يرى نفسه خير الناس لا يستطيع أن يرى الله فوق رأسه، وأمّا الذي يرى نفسه آخر الناس فإنما يستطيع أن يُبصر الله في نفسه وفي الكون. إن امتثلنا بالعشّار، إن توصّلنا الى أن نُفـرغ أنفسنا من كل مجد منسوب الينـا، إن كنّا لا نقبـل إطلاقًـا أيّ مـدح من الناس، إن كنـّا رافضين إيّـاه من أعماق النفـس، يأتي الله إلينا ويحتلّ مكانته فينا.

العشّـار الذي يُحـدّثنـا عنـه الإنجيـل تـرك لنـا دُعـاءً صار دعـاء الكنيسـة الأرثوذكسيـة إطلاقـًا: “ارحمني أنا الخاطئ”. صلاة نُكررّها يومًا بعد يوم، وأرادت الكنيسـة مـن خلالها أن تُدرّبنـا عـلى التـواضـع، وجـعـلـت العشّـار نُصـب أعيننـا فيمـا نحـن نبـاشـر هذه الفتـرة المبـاركـة التي نستعـدّ فيهـا للصوم لتـُرشـدنـا الى حيـاة صلاة تسحـق كـل كبـريـاء فينـا، لنمتــل أمـام اللـه مثـل العشّـار ونقـول لـه: “يـا أبتاه اغفـر لنا لأننا استكبـرنا. اغفـر لنـا لأننـا بتلـذّذنـا بـذاتنـا مِلنا عن وجهـك، واجعلنا أبناء لك بالتواضع حتى إذا عُـدنا إليك نستطيـع أن نُلازمك كل حين”.

هكذا، إن أفرغنا النفس بالكلية مِن تَعَبّدها للَذّاتها ومن انتفاخها، يأتي المسيحُ اليها بالضبط كما كان في جسده على هذه الأرض ويرفعها اليه ويبرّرها ويقدّسها لمجده.

جاورجيوس، مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

عن “رعيّتي”، العدد 6، الأحد 9 شباط 2014

 

 

الفرّيسيّ والعشّار