/ الإنجيل / الصَيْد العَجِيب

الصَيْد العَجِيب

 الصَيْد العَجِيب

 

الصَيْد العَجِيب

يتكلّم إنجيل اليوم عن الصيد العجيب في بحيرة طبريّا. تذكُرون أن المعلّم الإلهي كانت بشارته حول هذه البحيرة في مدن الجليل، ويبدو أنه كان ذا علاقة مع أولئك الصيَّادين الذين صاروا تلاميذه في ما بعد، لأن الإنجيل يقول عن سمعان الذي صار بطرس وعن يعقوب ويوحنا ابني زبدي انهم تبعوا المخلّص بعد أن حصلوا على الصيد العجيب. قبل ذلك كانوا من رفقاء البلد او الجوار.

أخذ الرب يُعلّم وهو في السفينة بعد أن أبعدها قليلا عن الشاطئ، الى أن أمر بطرس بأن يتوغّل في البحر ليصطاد، فكان ما كان من هذا الصيد الكبير. ولمّا رأى بطرس أن السيّد قادر على أن يعطيهم سمكًا كثيرًا حتى كادت الشباك ان تتمزّق، قال ليسوع: “ابتعد عني فإني رجل خاطئ”.

اتصال المسيح ببطرس جعله يشعر انه خاطئ. هذه هي الصلة الأولى بيننا وبين الله: أن نشعر بأننا ارتكبنا ما هو مخالف للشريعة.

هناك من يقضي عمره في اتّباع الناموس والعبادات المختلفة يتغنّى بها ويفتخر بطائفته، ولكن هذا لا يعني انه يصلّي ولا يعني انه يؤمن. يمكن للإنسان أن يطلب مجد طائفته وأن يحارب في سبيلها وأن يكون زعيمًا فيها وتسمع كلمته فيها وهو لا علاقة له بالدّين على الإطلاق.

الشعور الذي يطلبه المسيح هو أن نعرف أنّنا خاطئون، أن نقول بجرأة: “نعم، نعم نحن خاطئون”، وأن نعنيها إذا قُلناها لا أن نتستّر وراءها كما يفعل البعض فنجد في قولنا “أنا خاطئ” مساواة لنا بالغير: “أنا خاطئ، ولكن الكل خاطئون، وبالتالي فأنا معذور”.

“ابتعد عني يا سيّد فإني رجل خاطئ”. عندما عزل بطرس نفسه عن خطايا القوم، لمّا طهّر نفسه بالاعتراف، بالإقرار، بالصدق، بالتواضع، قال له السيد: “سأَجعلك صائدًا للناس”، أي سأجعلك رسولاً لي. ستترك كل هواجس مَن حولك، كل هواجس قومك لتُبشّر بالإنجيل، لتموت. إذا أردتَ أن تكونَ رسولاً ستموت. لم يقل السيّد لبطرس ستُسيطر على غيرك وتصبح زعيم طائفة متسلّطة في الأرض. قال له: ستموت، واعده بعد ذلك أن يموت في رومية كالمعلّم، على الصليب. أَفهمه ان المهمّ هي القيامة من بين الأموات، والمهم القيامة من البُغض والتعصُّب والتزمُّت. مَن يبغض ويتعصّب ويتزمّت يدفن نفسه في الخطيئة. ولكن عندما تتطهّر قلوبُنا بالتواضع والمحبّة والتّسامح، تتطهّر مّما كان يُميتها ويجعلها في القبور. هذه هي القيامة فعلاً: أن نقوم من خطيئة التعصُّب والتزمُّت الآن، بالحبّ، فلا يعود يتسلَّط علينا موت.

ثم يواصل الإنجيل قوله ان التلاميذ بعد ان اصطادوا الصيد العجيب تركوا كلّ شيء، تركوا السمك والصيد، وتبعوا السيّد. ما معنى ذلك؟ ما معنى ذلك لنا اليوم؟ أيطلب منّا المخلّص أن نترك بيوتنا ومصانعنا ومكاتبنا والى ما ذلك من أعمال؟ لا. انه يطلب منا ان نترك شهوةً ما تستعبدنا، ألا نضع قلوبنا في المال ولا في الأمجاد ولا في الانتفاخ الباطل بل ان نضع قلوبنا في المسيح فنتحرّر من كلّ شهوة تستعبدنا، وبذلك نفتح العالم، ليس بالطريقة التي يعرفها العالم، بل بالمحبّة نفتح قلوب الناس فنجعل للمسيح مملكة “ليست من هذا العالم” ولكنها في العالم. ليست في جمهورية او دولة “مسيحية”، هذا سهل وبسيط. ولكن الصعب والشاقّ الذي يتطلب منا جهادًا متواصلاً هو أن نفتح قلوب الناس حوالينا فنجعل للمسيح مملكة في القلوب.

جاورجيوس مطران جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)

“رعيّتي”، العدد 39، الأحد 28 أيلول 2014