/ اشكاليات معاصرة / هل تضعِف العلمانية الإيمانَ؟

هل تضعِف العلمانية الإيمانَ؟

هل تضعِف العلمانية الإيمانَ؟

 

 

نحن نعيش في عالم متزايد العلمانية، فماذا يترتب على هذا الأمر؟
تُحدد العلمانية في القواميس بأنها ” عَدَمُ المُبَالاةِ بالدِّينِ أو الاعْتِبَاراتِ الدِّينِيَّة” (الاعتقاد بوجوب عدم استناد الأخلاق على الإيمان بالله واستبعاد وجود حالة مستقبلية) [قاموس المعاني]. هذا يعني أن العلمانية تتعلّق بأخلاقية قائمة على أسلوب حياتي من دون الله وأن الدولة العلمانية هي الدولة التي يُفصَل فيها الدين ومناقشة الأمور الأخلاقية. فهل هذا ممكن؟
يستند النهج العلماني على سوء فهم لطبيعة الدين. طريقة عيشنا تتعلّق بإيماننا. يخبرنا إيماننا عن الغرض من كلّ أفعالنا، ولماذا نُعطى الحياة ومن ثمّ الموت. إنه جزء أساسي من نظرتنا إلى العالم الذي يسمح لنا بتفسير كلّ شيء نشعر به. الدين هو أمر أساسي لجميع الناس. حتى لو كنا لا نفهم ما هو ديننا، لا يزال لدينا وجهة نظر العالم الديني في داخلنا. إن إيماننا هو ما يعطي معنى لحياتنا.
إن محاولة إخراج الدين من الخطاب العام والأنشطة العامة محكومة بالفشل إذ من غير الممكن فصل معتقداتنا عن الحياة، ولا حياتنا بعد الموت عن أعمالنا أو عن أيّ مناقشة للقضايا الأخلاقية.
واقع العالم هو أن هناك العديد من الآراء العالمية القائمة على أساس اختلاف النظم العقائدية. كلّ مَن يقول بإمكانية بناء مجتمع قائم على وجهة نظر غير المتدينين في حياتنا العامة ويعد بالسماح بممارسة الدين بشكل منعزل، لا يفهم أنهم يطلبون منا بناء مجتمع مستند إلى فكرتهم حول الدين، أي مجتمع إلحادي . إنهم يفترضون أن الدين ليس في الحقيقة مهماً في حياتنا، ويمكن إنزاله إلى جزء صغير من حياتنا. العلمانية تعني وجهة النظر التي تدّعي بأنها أكبر من كل الأديان الأخرى. إنها شكل آخر من أشكال الدين يدعى العلمانية. ما من دين يعلّمنا أن نحفظ معتقداتنا منفصلة عن حياتنا العامة. ليست العلمانية سوى مجرد وسيلة للملحدين ليسوّقوا نظرتهم للعالم.
إذا أردنا المزيد من المعنى في مجتمعنا علينا أن نقيم حواراً صادقاً حول اعتقاداتنا الشخصية ونسعى إلى طرق لتضمينها في فعاليات اجتماعية بغض النظر عن حجم التغيير. هناك الكثير من القضايا التي يستحيل التوافق عليها. هل يتوقّع أحد من مجتمع تعددي يحترم الحرية الدينية أن يوافق على الإجهاض؟ الأمر هنا يتعلّق بفهمنا لقدسية الحياة وتأثير خياراتنا في هذا الإطار على وضعنا بعد الموت. هل يستطيع الذين يعتبرون التخلّص من الجنين قتلاً أن يؤثّروا على الذين يعتقدون بجواز قتل الجنين؟ أيجوز ترك هذه الخيارات لكل فرد ليقرر على أساس معتقده؟ أنا، كمسيحي، عليّ أن أقاتل لحماية الذين لم يولَدوا بعد على أساس إيماني وليس على أسس أخلاقية منطقية خالية من الله.
قد نتساءل هنا، أيمكن أن نحكَم بالوصايا العشرة أو بالشريعة؟ كيف نحلّ هذا الأمر؟ في مجتمع حرّ علينا بأن نسمح لكل واحد بأن يمارس أخلاقياته على أساس معتقده بعد مناقشة هذه الأخلاقيات، وإلا فإن ممارستنا لا تحترم حرية المعتقد… لا ينبغي أن يكون هناك مكان أو ملتقى نُمنَع فيه من التعبير عن ديننا ومعتقداته لكونه جزء مما نحن عليه. إن وضع القيود هو محاولة لتهميش إيماننا.
الأفضل هو الاعتراف بالتعددية في المجال العام والسماح للحرية الفردية بأن تسيطر طالما أنها لا تقيّد الأعمال القائمة على معتقد شخص آخر. نحن نقوم بخيارات على أساس إيماننا في كل يوم. كأرثوذكسيين، نحن نمتحن أعمالنا ونطلب المغفرة عن كل اللحظات التي لم نتبع خلالها تعاليم ربنا وإلهنا يسوع المسيح. نحن نعرف أننا عاجزون عن السلوك بحسب ما تقتضيه ولكننا نعلم أيضاً أن علينا أن نجاهد من أجل كمال سلوكنا الأخلاقي. إن مفتاح العيش كمسيحي هو القدرة على السعي بحرية إلى الإيمان والسلوك على أساس ما علّمنا يسوع. هذا قد يعني أننا بحاجة إلى الصلاة قبل بعض الأعمال، أو قد نحتاج إلى أيقونات أو “رموز دينية” في مكان عملنا. يتعلّم المسيحيون أن يقبلوا أصحاب المعتقدات الأخرى بالرغم من اختلافهم عنهم.
علينا أن نصدّق إيماننا كما ينبغي، وأن نثق بقوة الله، حتّى إذا سلكنا بحسب هذه الحقائق التي تعلّمناها فسوف نؤثّر على الآخرين ونأتي بهم إلى الحق بمعونته. هذا ما حصل في الأزمنة الأولى للمسيحية. بالإيمان الحارّ أعانهم الروح القدس، فإيمانهم كان عظيماً وكانوا على استعداد للوقوف ثابتين في إيمانهم حتّى عندما تضارب مع معايير المجتمع الروماني أو ضد مشيئة الإمبراطور الشرس وما عنى الموت أو التعذيب.
علينا توقّع أن نُضطَهَد كما يخبرنا الإنجيل، لكن علينا أيضاً أن نعرف أننا لكي نتّحد بالله ينبغي أن نتّضع، وبنظرنا إلى طبيعتنا الخاطئة نرى صورة الله الموجودة في كلّ الآخرين الذين لا يشاركوننا إيماننا. لا ينبغي أن نتعامل مع الآخرين بطريقة تجعلهم يخطئون.
إذاً ما هو الجواب؟ لا يستطيع المسيحي أن يقبل إخراج الدين من الشأن العام، كون دينه جزء أساسي منه. علينا أن نعمل على تشجيع الحوار في المجتمع حتى يشمل كل الاختلافات المتعلّقة بحقوق كل واحد منا. علينا أن نسمح لكل شخص بأن يعبّر عن إيمانه في المنتديات العامة. لا ينبغي التنازل عن حق التعبير بإسم العلمانية. إذا تقهقرنا في الشهادة لإيماننا بيسوع المسيح والتعبير عن هذا الإيمان في المجال العام نكون تراجعنا عن الحق والالتزام بمَن نحن وبما نؤمن. إذا ثبتنا فإن إيماننا سوف ينمو بدل أن يضعف. إذا استسلمنا للعلمانية فسوف ننتهي إلى ضعضعة إيماننا والخضوع للنسبية حيث يُنظَر إلى كل المعتقدات على أنها متساوية في الصحة، وبالتالي سوف نفقد القوة والنعمة للاتحاد بالله. إذا ثبتنا على إيماننا فسون نكسب نعمة الله ونربح قدرتنا على عيش الحياة التي علّمنا. وفي ثباتنا هذا، نؤثّر بالآخرين ليأتوا إلى الحق الذي نحن عنده. لكن أولاً ينبغي ألا نسمح بتهميش إيماننا بالأفكار الحسنة النيّة التي يحملها أولئك الذين يعتقدون بأنّ النهج الملحد العقلاني يتفوّق على النهج الذي يزاوج بين العقلانية والإيمان.
نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي
http://orthodoxwayoflife.blogspot.co.at/

 

 

 

 

هل تضعِف العلمانية الإيمانَ؟