/ أخبار / الكنز المُخفى

الكنز المُخفى

الكنز المُخفى

 

   يشبه ملكوت السّموات كنزًا مُخفًى في حقل، وجده إنسان، وخبّأه، ومن فرحه به مضى وباع كلّ شيء له، واشترى ذلك الحقل.

   إذًا، هذا هو الكنز الحقيقيّ، الّذي يقتنيه الإنسان إلى الأبد. بإزائه، كلّ كنوز الأرض لا قيمة لها. “اكنزوا لكم كنوزًا في السّماء، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، ولا ينقب سارقون ولا يسرقون”. الكنز الحقيقيّ، الّذي علينا أن نبحث عنه وأن نقتنيه، هو هذا الكنز بالذّات، الكنز الّذي يكون لنا لحياة أبديّة. لكنّ ميزته أنّه مُخـفًى، ليس ظاهرًا. لماذا؟ لأنّ الإنسان، بعد السّقوط، لم يعد مناسبًا له أن تكون كنوز الله لديه ظاهرة. من هنا القول: “لا تلقوا درركم قدّام الخنازير، لئلاّ تدوسها”. الإنسان، في وضع السّقوط، لا يقدّر الكنوز الحقيقيّة. لذلك، الرّبّ الإله يخفيها، لا بمعنى أنّه يحرم الإنسان منها، بل بمعنى أنّه يعطيه فرصةً أن يجدها، إنّما عليه أن يعمل في حقله، عليه أن يتعب، عليه أن يأكل من عرق جبينه. والأرض تعلّم الاستقامة الّذي لا يشاء أن يأكل حرامًا. هذا هو الّذي يأكل من عرق جبينه. أن يأكل الإنسان من عرق جبينه معناه ألاّ يأكل من عرق جبين غيره، ما دام قادرًا على أن يعمل. فقط، إذا كان الإنسان عاجزًا، يأكل من عرق جبين غيره، لأنّ المحبّة هكذا قضت، وهكذا استلزمت. في ما عدا ذلك، لا يحقّ للإنسان أن يأكل من عرق جبين غيره، لأنّه، إذا ما فعل، يكون في المعصية، يأكل حرامًا، يغتصب تعب الآخرين وعرقهم. الإنسان الّذي يأكل من عرق جبين غيره لا تكون له بركة؛ وهو، من ثمّ، لا ينتفع ممّا يحصّله بالحرام. فقط، الّذي يأكل، بالأمانة، من عرق جبيه، هذا يأكل بالبركة.

   لماذا البركة مهمّة، هنا؟ إذا أردنا أن نفهم مضمونها، فعلينا أن نعود إلى ما فعله الرّبّ يسوع، عندما أراد أن يطعم الجموع الّذين كانوا يتبعونه. كان هناك القليل من الخبز والسّمك. لكنّ هذا القليل باركه الرّبّ الإله: رفع عينيه إلى فوق، ثمّ بارك وأعطى الخبز والسّمك للتّلاميذ، والتّلاميذ أعطوا النّاس، فأكلوا جميعًا. أكلوا عمليًّا من القليل، إنّما من القليل المبارَك. المرأة الشّوناميّة، قديمًا، الّتي أطعمت النّبيّ، والّتي كان لها القليل، لأنّها أطعمت النّبيّ، باركها الرّبّ الإله، وبارك ما عندها، وأفاض خيره عليها؛ ففاض الزّيت عندها، وكان الزّمن زمن مجاعة. الأمر عينه يُقال هنا: عندما يأكل الإنسان من عرق جبينه بالأمانة، ويهتمّ بإطعام مَن لا يستطيعون أن يعرقوا لعجزهم، أو لقعودهم، لأنّهم معاقون؛ فإنّ الرّبّ الإله يباركه، وبالقليل يقضي حاجة كبيرة. وعلى العكس، عندما لا تكون هناك بركة، يكون دخل الإنسان كبيرًا، لكنّ أكثره يذهب سدًى، كأنّه لا قيمة له. حيث لا بركة، تتعدّد الأسباب الّتي تجعل الإنسان ينفق من دون أن ينتفع. مثلاً، الإنسان الّذي عليه بركة الله ينعم عليه الرّبّ الإله بالصّحّة والعافية. طبعًا، يمكن أن يسمح بأن يمرض. لكنّ هذا يكون في إطار عناية الله به. إذًا، الإنسان المبارَك يعطيه الرّبّ الإله صحّة وعافية تعبيرًا عن مباركته له. بخلاف ذلك، الإنسان الّذي لا بركة عنده يمرض لِلا سبب، يعلق بأحداث مفاجئة، تتحطّم سيّارته مثلاً، يأتي البرد ويتلف محصوله، يحتال عليه الآخرون، يتعرّض للسّرقة، للأذيّة، للقتل… طبعًا، هذا كلّه يبدو، في الظّاهر، كأنّه أمور عاديّة. في الحقيقة، ليس الأمر كذلك، أبدًا. البركة تفعل في حياة الإنسان. طبعًا، أنا لا أستطيع أن أثبت، مثلاً، أمرًا؛ لكنّني أعرف، وفق منطق البركة، أنّ هذا يحدث فعلاً. ما أقصده هو أنّ إنسانًا، مثلاً، يعطي ما عنده من مدّخرات لإعانة إنسان مريض، أو عائلة محتاجة، أو يعطي في السّرّ لبناء كنيسة أو دير، يصنع خيرًا لأجل الله، بطريقة أو بأخرى… ففي مقابل هذا الّذي أنفقه للخير، إذا ما جعلنا نصب أعيننا منطق البركة، يردّ عنه الرّبّ الإله الكثير من الضّيقات، والآلام، والأوجاع، والأحداث، والحوادث… العلاقة الظّاهرة غير بيّنة بين هذا وذاك. لكن، مَن يتعاطى الإلهيّات يفهم أنّ الرّبّ الإله يعينه، ويهتمّ بأمره، ويردّ عنه الكثير من الويلات والمصائب، بمقدار ما يعتني هو بخلائق الله، وبمقدار ما يصنع خيرًا لأجل الله بصورة كاملة، ويخفي عمله، ويسترحم ربّه، ويعتبر كأنّه لم يفعل شيئا. يقول المزمور: “طوبى لمن يعتني بالمسكين والفقير، الرّبّ يعينه على سرير ألمه”. ما هو الرّابط بين العناية بالمسكين والفقير، وعناية الله بمن أعطى على سرير  ألمه؟ ليس هناك رابط منطقيّ، ولا ظاهريّ. لكنّ هذا حاصل، هذا واقع. الّذي يفكّر روحيًّا، الّذي يتعاطى الأمور إلهيًّا، يرى الأمور بعين الرّوح! لهذا، الإنسان الّذي يأكل من عرق جبينه، تحلّ عليه بركة الله، يعطيه الرّبّ الإله أن يكتشف الكنز المُخفى. إذا لم يكن الإنسان قويمًا، فالرّبّ الإله يحجب عنه الكنز. قد يكون الكنز على بعد عدّة سنتيمترات منه، لكنّ الرّبّ الإله يعمي عينيه حتّى لا يبصر: “أعمى عيونهم حتّى لا يبصروا بعيونهم، ولا يسمعوا بآذانهم، ولا يرجعوا فأشفيهم”. هذا بسبب غلاظة قلوبهم، بسبب سلوكهم في عدم الأمانة، في عدم الاستقامة. لا بركة لهم. لذلك، الرّبّ الإله يحجب عنهم كنزه.

   إذًا، هذا الكنز وجده إنسان كان يعمل في الحقل بتواتر، بانتظام، بتعب، يأكل ويطعم غيره، كانت بركة الرّبّ الإله حالّة عليه؛ فماذا فعل؟ خبّأ الكنز. نحن، متى وجدنا الكنز، نحفظه مخبّأً لئلاّ يأتي الشّيطان وأبالسته وعملاؤه ليسرقوه. الإنسان الّذي يكتشف، بنعمة الله، الكنز المخفيّ، لا يتحدّث عنه. لذلك، نحن لا نعطي شهادات عن خبرتنا الدّاخليّة مع الله. فقط، إذا أتانا أحد، وقد أعطانا الرّبّ الإله الإحساس العميق أنّ هذا يبحث عن الكنز ويستأهل أن يعرف كيف يجده، فإنّنا، كما علّمنا آباؤنا، نعطي هذا القادم إلينا ممّا أعطانا إيّاه الرّبّ الإله لأجل البنيان، لأجل الفائدة. لكن، هذا يستدعي حرصًا وانتباهًا كبيرين. علينا ألّا ننادي من على السّطوح أنّنا وجدنا الكنز، لأنّ هذا يعرّضنا لاستكبار كبير؛ ويعرّض النّاس، في تعاملهم معنا، لتشويش كبير؛ فلا ينتفعون بالضّرورة. مَن ليسوا على موجة واحدة وإيّانا، فلا يصدّقون، حتّى وإن قام واحد من بين الأموات.

   إذًا، هذا الرّجل خبّأ الكنز الّذي وجده. هذا يعني أنّنا، في خبرتنا مع الله، علينا أن نخبّئ النّعم الّتي يسبغها الرّبّ الإله علينا في قلوبنا، ولا نكشفها لأحد. نتمسّك دائمًا بالقناعة أنّنا تراب ورماد، أنّنا بشر خطأة، نجعل خطيئتنا نصب أعيننا. في كلّ حال، الأصالة تعلّمنا ذلك. متى حلّت نعمة الله فينا، فإنّها تعطينا أن نشعر، في قرارة نفوسنا، بأنّنا خطأة، لا بل، كما قال الرّسول، أوّل الخطأة.

   إذًا، فخبّأه، ومن فرحه به – هذا هو الفرح الّذي لا يُنزَع منّا، والّذي لا يعطيه الرّبّ إلاّ للإنسان الأصيل – مضى وباع كلّ شيء له، واشترى ذلك الحقل. الإنسان الأصيل، القويم، الأمين، الّذي يأكل من عرق جبينه، ويطعم الآخرين من عرق جبينه، عندما يكونون في الحاجة، هذا يكون مستعدًّا لأن يبيع كلّ شيء ليشتري ذلك الحقل، ليشتري الملكوت، ليشتري هذا الكنز المخفى عن عيون العامّة من النّاس. مضى وباع كلّ شيء: مقتنياته، وأفراحه العابرة، وكرامته، ومجده، وما يقول النّاس عنه… باع كلّ شيء، كلّ ما له قيمة في الحياة العامّة، في الحياة الاجتماعيّة. هناك أشياء لا قيمة لها، لكن هناك أشياء تُعتبر كأنّها قيّمة في المجتمع، لكن هذه لا قيمة لها بإزاء الله، وقياسًا بالكنز المخفى في الحقل. إذًا، نبيع كلّ ما له قيمة في عيون النّاس، في هذا المجتمع، كأنّنا نقول: “كلّ هذا لا قيمة له، بالنّسبة إلينا”. النّاس يهمّهم أن يكون لهم بيت فخم، لكنّ الّذي يبحث عن الملكوت يعرف أنّه ليست له ههنا مدينة باقية، بل يطلب الآتية. الإنسان الّذي يهتمّ بما له قيمة، في هذه الحياة، يهمّه أن يأكل أفضل الأطايب، وأن يلبس أفخر اللّباس، وأن يشترك في احتفالات النّاس، وأن يقول عنه النّاس “سيّدي، سيّدي”… لكنّ ذاك كلّ هذا، في عينه، يصير عديم النّفع، عديم القيمة. يبيع كلّ هذا ليشتري الكنز، ليشتري الملكوت، كلّ شيء من دون استثناء، لأنّ من يستأهل الكنز هو الّذي يبيع كلّ شيء، يتخلّى عن كلّ شيء. “إذا أردت أن تكون كاملاً، فاذهب وبِع كلّ ما لك، ووزّعه على الفقراء، وتعال اتبعني”.

   واشترى ذلك الحقل. الشّيء الجميل، هنا، أنّ الكنز لا نشتريه بمال، لأنّه لا يُقدَّر بثمن. لكن، نشتريه بما نتخلّى عنه في هذا العالم. هذا هو معنى أن يبيع الإنسان كلّ شيء له في هذا العالم، أن يتخلّى عن كلّ ما له قيمة، ولا يعود يبحث عنه: شهادات، سيّارات، بيوت، قيم اجتماعيّة، وظائف مهمّة… كلّ هذا يبيعه، يعتبره كأنّه غير موجود، يتخلّى عنه بالكامل، يفرغ نفسه من الاهتمام بكلّ هذه الأمور. هكذا يبيع الإنسان كلّ شيء له. والثّمن، الّذي هو التّخلّي، إفراغ الذّات، يكون كافيًا لشراء الكنز، لشراء الملكوت. هكذا يبتاع الإنسان الملكوت. المطلوب، فقط، أن يفرغ الإنسان نفسه من كلّ اهتمامات الدّنيا: “لنطّرح عنّا كلّ اهتمام دنيويّ، كوننا مزمعين أن نستقبل ملك الكلّ.

   إذًا ، يمكن الإنسان أن يشتري الملكوت بفلسين. الموضوع ليس الفلسين، بل هو أنّه كالمرأة الّتي ألقت في الصّندوق فلسين، ألقت كلّ معيشتها، كلّ ما له قيمة عندها. بكلام آخر، عرّضت نفسها للفراغ الكامل، للحاجة الكاملة؛ ألقت بنفسها، بالكامل، بين يدي الإله الحيّ: “في يديك أستودع روحي”، حياةً وآخرة. هكذا، يبيع الإنسان كلّ شيء له، ويشتري ذلك الحقل. الحقل ينتظره، لا أحد يأتي ليشتريه بثمن أكبر. لكلّ واحد منّا حقله. الله لا يحرم أحدًا أن يكون له هذا الحقل. لكن، في مقابل ذلك، علينا أن نتعب في الأمانة والمحبّة، وأن نبيع كلّ شيء، أن نتخلّى عن كلّ شيء، في هذه الدّنيا؛ إذ ذاك، يعطينا الرّبّ الإله صقًّا بالحقل، وبما فيه، بالكنز المخفى في ذلك الحقل. هذا هو الملكوت، هكذا نقتني الملكوت.

 

الأرشمندريت توما (بيطار)، رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي ، دوما – لبنان

11تشرين الأول 2015

 

 

 

 

 

 

الكنز المُخفى